ألأقت مجددا أزمة عدم تمكن الدولة من توفير رواتب موظفيها بأعبائها على كاهل طبقة فقراء الموظفين ممن مستويات رواتبهم أدنى بكثير وكثير من مستوى خط الفقر فيما يحيا آخرون بمنظومة الاقتصاد الريعي وطابعه وهوية من يديره بنهج كليبتوفاشي كليبتوقراطي من فساد مطلق لمافياته وفاشي من نهج القمع الدموي الإرهابي لجناحه المسلح بتشكيلاته الميليشياوية وبادعاتهما كليهما في العصمة والقدسية وحظر المساس بهما أو مناقشة أوامرهما الإلهية بوقت يجري فرض ضرائب وهمية على حساب كواهل الفقراء وعوائلهم وأبنائهم وبناتهم!! كيف يقرأ الاقتصاد السياسي هذا الموقف؟ كيف يعالجه؟ كيف نعيه وما ردود فعلنا؟؟ بعض إجابات ورؤية عسى تفيد بالتحذير مما لم يعد مجهولا وقد بات يطرق أبواب الفقراء جميعا وكافة
أزمة رواتب أم أزمة نظام؟ بكلتا الحالتين فإنها تجدد مطحنتها بحق الشعب المنتهك ومصادرة حقوقه!؟
يمر العراق بما وصفه المعنيون بأزمة (سيولة) خانقة؛ تلك التي أفضت إلى تعثر و\أو تأخر صرف مرتبات الموظفين بخاصة هنا منهم أولئك الذين لا يملكون مصدر دخل غيره، والذين يعيشون على ما وضعهم بمستويات تحت خط الفقر!
وإذا كانت (الأزمة) الجديدة الأخيرة، مما يوصف أو يصنَّف اقتصادياً بأنها (أزمة تدفقات نقدية وسيولة مؤقتة) وأنها لا ترقى إلى وصفها إفلاساً رسمياً للدولة؛ فما الذي تسبب بها وصار مبرراً لها فعلياً؟
لقد كان بقاء الاقتصاد العراقي على النموذج الريعي وتقييده بحدود مردود بيع النفط حصرا وبنسبة تكاد تصل <90% أو ما يقترب من كونها مطلقة إلى جانب ربط التصدير بممر بعينه وإثارة الأضاليل لإيقاف أية مشروعات وحلول وقائية بديلة كإنشاء نواقل بمد أنابيب وخطوط عملاقة إلى منافذ عديدة متاحة أخرى أوقعت البلاد بمستوى (الصدمة الكارثية) بمجرد حصول ظروف طارئة في مضيق هرمز.. ومن جانب آخر ظهرت مؤشرات تراجع الإيرادات بخلفية التوترات الإقليمية وإغلاق المضيق وانخفاض قسري في صادرات النفط العراقي بنسبة وصلت إلى أكثر من 80%، هذا إلى جانب هبوط خطير آخر في الإيرادات (المتاحة) إلى نحو مليار ونصف المليار دولار فقط شهرياً. ما كان نتيجته (الكارثية) اتساع فجوة العجز المالي بين ما يحتاجه العراق شهرياً وما يتوافر فعلياً اليوم فباتت الفجوة تعادل نحو 8 تريليون دينار عراقي (ما يعادل قرابة 6 مليارات دولار) وهو المبلغ الذي تحتاجه البلاد من أجل تغطية (رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية)، ومع توافر جزئي لبعض ما يسدد جزءا من تلك المرتبات سيبقى العجز الحالي بما يتجاوز عجزاً شهرياً أكبر من 3.3 تريليون دينار.
والمنظومة التي تدير البلاد لا تريد التحدث عن الطابع الريعي بالقدر الذي تتحدث فيه عن (الترهل) الوظيفي (الكبير) بما تحصيه بأكثر من 4 ملايين موظف، فإنها لا تتحدث عن السبب الحقيقي للأزمة المتكررة بل عن بحث في تحميل الموظف الفقير الذي يتقاضى نصف ما يصل به لتجاوز خط الفقر أي أنه قريب من الفقر المدقع ومع ذلك تُلقى المسؤولية على القطاع العام وعلى موظفيه بدل البحث في تلبية وسائل إنقاذ تكمن في زيادة إنتاجية وتفعيل القطاع بنهج لا يقع بعبئه على الموظف نفسه بوقت يجري فيه الإيغال بمزيد إفقار واستلاب ومصادرة له ولحقوقه!!
وأذكر هنا بأن القوانين الناجزة القديمة منها والتي تمّ تشريعها بعد تغيير 2003 تكفل للموظف حقوقه فالقانون العراقي يضمن للموظف العام على وفق قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960 المعدل وبناء على قانون انضباط موظفي الدولة والعاملين في القطاع الخاص على وفق قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 أقول إن هذه بمجموعها معا وبنهج تكاملي توفر ضمانات الحقوق المالية، الوظيفية منها والقانونية الحقوقية مما لا يمكن ولا يجوز التنازل عنها أو الانتقاص منها.
وإذا أردنا التفصيل بشأن الحقوق المالية والمخصصات وما يكفله ويضمنه تكامل تلك القوانين واللوائح الناظمة فنؤكد الآتي:
تُلزِم تلك القوانين ومنها قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008 بـ((تسليم منتظم لكامل الراتب الشهري)) في موعده المحدد من دون تأخير أو استقطاع غير قانوني.
ومن الأمور الملزمة الأخرى مجمل المخصصات القانونية من مثل: مخصصات الشهادة، مخصصات الزوجية، مخصصات الأطفال، وإن وُجِد مخصصات الخطورة
فيما لا يُغفل القانون موضوع العلاوات والترفيعات بشروطها المحددة قانونيا ومثلها مكافأة نهاية الخدمة والتقاعد بالإشارة إلى ضمان توكيدي لكفالة الراتب التقاعدي.
وبلغة الأرقام فإن 8 تريليون دينار أو 6 مليار دولار تتحدث عن تسديد رواتب تساوي للموظف ليس مجرد الـ350.000 دينار بوصفه الحد الأدنى وإنما تساوي معيشته عيشة الكفاف تحت خط الفقر بما يعادل نصف حاجته الحقيقية بتفاصيل العيش بالمستويات العراقية للدخل الفردي أو ما يعنيه..
ومع أن كوردستان تمنح 450.000 دينار كحد أدنى إلا أن الحالين تبقيان أدنى مما يصل تجاه موظفين يحصلون على (9 مليون دينار شهريا و\أو 20 مليون دينار) بحالات أخرى ومازال العراقي يئن وييلوك أحاديث عن قانون سلّم الرواتب الموحد وعن معالجة الفرق الشاسع بين حد أدنى لا يُنقذ من خط الفقر نفسه بأداء تقريبي يسدد نصف هذا الخط وآخرين وهم طبقة صغيرة من ركام توظيف محاصصاتي خاص ضيق يتحدد بفئة بعينها هي بالأصل بمرتباتها تلك ليست استثمارية الفعل والأداء إذا ما قورنت بمرتبات الفقراء وتشغيلها السوق المحلي…
إنّ عجز الخزينة ليس وليد اليوم ولكنه وليد أخطر من مجرد الاقتصاد الريعي كما مر معنا ونضيف هنا ما وفره هذا النظام رفقة حكومات متعاقبة ونهجها الذي وصفته المؤشرات الدولية بأنه نهج الحكم الكليبتوقراطي والشعب يدرك أنه كليبتوفاشي بالاستناد إلى الجناح المليشياوي وطابع أدائه ومخرجات أفعاله الإجرامية المندمجة مع الجناح المافيوي مؤكدين أن تلك الأفعال ترقى لجرائم ضد الإنسانية ليس في مصادرة الحريات والحقوق حسب بل في تصفية أي أداء سلمي يتحدث عن حق أو حرية في الفضاء العام علناً!!
إنّ أداء حكوميا لعناصر السلطة التي لا تمتلك سوى تمشية الأمور بطريقة رتيبة سلبية أودت طابع مستمر التكرار لأزمات السيولة من جهة والخضوع لـ ردود الفعل بأسلوب الصدمة الحادة عند أي متغير إقليمي دولي [خارجي] وهو ما جعل حلولها تقوم على تحميل الفقراء أحمال تلك الأزمات المتكررة وعلى تجاوزها الجزئي باستخدام (حلول) اضطرارية لتغطية العجز بـ(الاقتراض الداخلي من المصارف المحلية) وبـِ(بيع سندات الخزينة) وحتى طباعة العملة على الرغم من مشكلات ذلك في التضخم وانهيار سعر العملة كونها بلا رصيد فعلي.. دع عنكم ممارسة تلك السلطات المالية السحب الذي تصفه بالمحدود من احتياطيات البنك المركزي (الأجنبية).
المعضلة التي نتحدث عنها ليست في تأخير صرف راتب الفقير اليوم وهو ما تكرر وسيتكرر بصورة أكثر سلبية وخطورة على الاستقرار في تفاصيل اليوم العادي اجتماعيا سياسيا اقتصاديا وسيؤدي حتما لأسوأ مما وقع لليونان في أدنى ظروف أزمتها لأنها وجدت في عضويتها بالاتحاد الأوروبي ما ربما أنقذ جانبا من تلك الأزمة لكن العراق بظروف شرق أوسطية مأزومة سيجد نفسه بمنطقة التفكك وما تنتجه أوضاع المجاعة في يوم ليس بعيدا إذ لا تتكرر الأزمة بتأخير راتب ولكنها تتكرر بالإفلاس بوجود كل تلك القوى المسلحة من مليشيات وتشكيلات مافيوية تسطو على كل شيء وتتاجر بأكثر من القيم بالإنسان نفسه..!
إن المطالب اليوم تكمن في جبهة شعبية هي الأخرى ذهبت أبعد من التلكؤ والعثرات إلى التأخر طويلا عن موعد مجيئها باستراتيجية إنقاذ منتجة تمنع استمرار من عاث فسادا وعبث بصورة ممنهجة بقوت الفقراء .. وعليه فإننا اليوم لسنا بموقف انتهاك الدستور نوعيا بما يوغل في منطقة الخطر بل في أبعد منه مما تجاوز الخطوط الحمراء التي يراد تهوينها بحصرها بتلكؤ صرف رواتب الموظفين فيما أبناء الشعب وبناته عرضة لاتجار بل مغامرة بحيوات الجميع في بلاد صارت أرضها الزراعية بورا يبابا وصحارى مثيرة لكل ما يميت ويغتال الحياة وربيعها وهو استهتار واضح بالعراقي وضربه ومصالحه وجوديا عرض الحائط بالإخلال بكل المعايير الإنسانية وبقيم التعامل مع الإنسان البسيط!!
وأنا لا أتأسف لأن طرفا حصل على بعض حقوقه من فتات ما تم دفعه ليبقى بمستوى لا يرتفع عن نصف مستوى خط الفقر لكنني أتأسف أن يضطر هذا الإنسان للقبول والإذعان لتلك اللقمة مقابل صمته وسكوته عن نهبه وعنما هو أنكى في مصادرة مطلقة لأخيه في الوطن وجاره الذي لم تصله حتى تلك اللقمة التي لا تسمن ولا غني من جوع!! فلنحذر من غضب الجائع إذا انفجر فحينها لات ساعة مندم وستكون ليست برقبته وحده ولكن الفئة التي تتحكم لديها مع شديد الأسف أماكن تهرب إليها وتحتمي بها فيما سيحترق الأخضر واليابس بغضب جائع ورد فعل سلبي لا يلام هو نفسه عليه ولكننا مضطرون أن نلومه لأنه ما وصل إلى هناك إلا بصمت العار الأخرس وتمريره تلك التأخيرات وكأنها أمر عادي مع أن القانون يكفل له أن يقف بوجه سارقه ناهب لقمة أبنائه بجملة من الإجراءات على أقل تقدير من قبيل:
استثمار المبدأً الثابت المستقر في القضاء الإداري الذي مفاده أن (الحق لا يكفي وحده، بل يجب المطالبة به ضمن المواعيد التي رسمها القانون)). لذلك فإن على الموظف الذي يتضرر من قرار أو من امتناع عن منحه حقاً مالياً أو وظيفياً أن يسلك طريق التظلم والطعن القضائي خلال (المدد القانونية)، حفظا لحقوقه ومنعاً لسقوطها و\أو تقييدها بأية مناورة أو مستجدات قد تفضي لأضاليل أو أباطيل لا يتمكن القانون من معالجتها لتأخرها أو فوات مواعيد الطعن علما أن ميزة الحق في الراتب ليست مما يسقط بالتقادم ولكنه مثله مثل أي قرار أو موقف يمكن أن يتعرض لضغوط المتغيرات التي لا علاج لها بانتفاء القدرة عليها في لحظة بعينها.
فليعلو صوت التحذير ولنكن متنبهين على المجريات وعلى حقوقنا في رواتب الفقراء أولا وواجب تعديلها ثانيا وليرتفع شعار المطلب واجب بل مُلزم التنفيذ والتلبية بالآتي:
المطالبة بكل الوسائل القانونية السلمية بإطلاق الرواتب فوراً ومن دون أي تسويف أو تعطيل ولتمنح أسقف زمنية للتنفيذ لا يترك صبر العاملين جميعا للاختبار بعد أن نفد الوقت وأزفت كل المواعيد..
أن يتم تفعيل المنظومة الدستورية كليا وبصورة شاملة بشأن تلبية عدم تأخير الرواتب وغيرها مما يرتبط بها ويستدعي كفالته القطعية لحق التظاهر السلمي والاحتجاج والاعتصام وصولاً إلى الإضراب العام الشامل عن العمل في حال استمرار هذا النهج أو تكراره حاليا أو في المستقبل المنظور أو البعيد وحتى التصعيد نحو إجراءات أخرى..
وبقصد توفير فوري عاجل للرواتب الخاصة بالفقراء وبالمستويات الدنيا للوظائف لربما من بعض الإجراءات الواجبة يمكن الآتي:
تجميد مجالس المحافظات.
تخفيض رواتب الرئاسات وأعضاء مجلس النواب والمستشارين ومن هم بدرجتهم و وكلاء الوزارات ورؤساء الجهات غير المرتبطة بوزارة كافة و المحافظين وطبقة الموظفين العليا بأجمعها.
تحصيل الديون والضرائب بتحديد أسقف زمنية على ما يترتب بذمة الشركات الاستثمارية كافة .
إيقاف شامل لأشكال النثريات كافتها وجميعها.
معالجة شاملة وموضوعية عاجلة لتعدد الرواتب .
إقرار سلم رواتب موحد بحديه الأعلى والأدنى بوجه عاجل..
استخدام الأموال المستردة بوجه طارئ من دون الإضرار بالمسار القانوني بما يخص الإجراءات الكلية..
لقد بقيت ظاهرة تأخير صرف الرواتب قضية استسهلها صاحب القرار واستسهل إلقاتء تبعاتها على كاهل الفقير بينما ستكون هذه الظاهرة بمنطقة خانق ثورة الجياع إذا ما استمرت بلا حل جذري ينهيها كليا واستمرار تكرارها أكد ويؤكد أنها أزمة نظام وليست أزمة جزئية عابرة فليكن جمهور من يتحملها على وعي بقدرته في حسم الموقف واستعادة الاستقرار بصورة كلية شاملة وبإرادة سلمية تتمسك بالقوانين والحقوق قبل أن تفلت من السيطرة وتخرج عليها بصورة لا يمكن العودة فيها حتى لمنطقة الأزمة!!
فهلا تنبهنا؟ أدواركم أيها الخبراء في الاقتصاد والسياسية ومشروعاتهما الوطنية الإنسانية وأدواركم أيها الشعب الصابر بلا حدود فلحظة لا تستطيعون مكافحتها باتت تطرق الأبواب وكثرة تصم الأذان وكأن العزوف عن سماع التحذير سيأتي بحل!!؟
بأيديكم الحلول سلميا قانونيا اليوم
إلقاء أعباء الأزمة الجديدة لعدم تلبية الرواتب على كواهل الموظفيين الفقراء