فلورنسا فبراير 1513 في غرفه مظلمه بارده جدرانها من الحجر الرطب والهواء يحمل رائحه الدم والخوف رجل في الثالثة والأربعين من عمره معلق من يديه اصابعه مكسورة جسده يحمل آثار التعذيب الضابط يقترب منه ويسال للمرة العاشرة هل تآمرت ضد آل مديشي والرجل يرفع راسه ببطء وينظر اليه بعينين متعبتين لكنهما لا تزالان حادتين ويقول بصوت خافت لا لكن ثابت ليطلق صراحه بعد اسابيع دون ان يعترف بشيء ذهب الى منفاه الصغير في قريه بالقرب من فلورنسا جلس في غرفه متواضعة امسك بقلم وبدا يكتب لم يكتب مذكرات ساكن ولم يكتب دفاعا عن نفسه ولم يكتب عن ظلم ما جرى له كتب الكتاب الاخطر في تاريخ السياسة البشرية الكتاب الذي اخاف الملوك والأباطرة والبابا الكتاب الذي احرقته الكنيسة ووضعته على قائمه الكتب المحظورة لقرون الكتاب الذي لا يزال يقرأ اليوم في كل أكاديمية عسكريه وكل كليه سياسه في العالم اسمه الامير واسم كاتبه نيكولا ميكافيلي الرجل الذي لم يخترع الشر السياسي بل جاء فقط على تسميته باسمه الحقيقي لكن لنفهم لماذا كان هذا الكتاب خطيرا الى هذا الحد ولنفهم ما الذي جعل ميكيافيلي يكتبه، علينا ان نفهم اولا العالم الذي ولد فيه فلورنسا القرن الخمس عشر المدينة التي كانت قلب عصر النهضة الاوروبي فيها ولدت اعظم اللوحات واعظم المعمار واعظم الافكار لكن خلف هذا الجمال كانت تعيش واحده من اكثر السياسات وحشيه في التاريخ آل مديشي يحكمون فلورنسا بالمال والنفوذ والخوف البورجيا يحكمون روما بالسم والخنجر والابتزاز.
البابا نفسه كان لاعبا سياسيا من الدرجة الاولى يشن الحروب ويبرم التحالفات ويكسر العهود، الامراء الايطاليون يتحالفون اليوم ويتخابرون غدا السفير الذي تستقبله بحفاوة في الصباح يمكن ان يكون يخطط لاغتيالك في المساء والدبلوماسي الذي يبتسم لك يحمل في جيبه رسالة مشفره لعدوك هذا هو العالم الذي كان على ميكافيلي ان يفهمه ويتعامل معه كل يوم نيكولا ميكافيلي. 

ولد ميكافيلي في فلورنسا عام 1469 ليس من عائله ثريه ولا من عائله فقيره بل من عائله من الطبقة الوسطى ذات تاريخ قانوني وادبي والده كان محاميا ورجلا مثقفا يحب الكتب ويؤمن بأهمية التعليم رغم ان الأسرة لم تكن تملك ثروه تذكر نشا نيكولا في بيت تملاه الكتب اللاتينية والرومانية قرأه تيتوس ليفيوس المؤرخ الروماني العظيم وهو لا يزال طفلا، وفهم من صغره شيئا واحدا لم يفهمه كثيرون من حوله التاريخ لا يتغير البشر يتغيرون اشكالهم وملابسهم واسمائهم لكن دوافعهم تبقى نفسها دائما الطموح              الخوف الجشع الرغبة في السلطة هذه لم تتغير منذ روما القديمة وحتى فلورنسا عصر النهضة وهذه الفكرة ستصبح اساس كل ما سيكتبه لاحقا في عام 1498 وهو في ريعان من عمره حدث ما غير مسار حياته كليا سقط الراهب المتعصب سافونا رولا الرجل الذي كان قد استولى على فلورنسا بالتحريض الديني واشعل فيها نيران التطهير الاخلاقي القصري وفي الفوضى التي اعقبت سطوته عين ميكافيلي الشاب سكرتيرا للجمهورية الفلورنسيه منصب قد يبدو بيروقراطيا عاديا لكنه في الواقع كان بوابه الى عالم السياسة الحقيقية أصبح ميكافيلي يرسل رسولاً الى ملوك وامراء وبابوات رأى بعينيه كيف تصنع القرارات خلف الابواب المغلقة رأى كيف تكسر العهود وتباع التحالفات رأى كيف يبتسم الرجل القوي لخصمه بينما يوقع امر اعتقاله في نفس اللحظة لكن اهم ما راه في حياته كلها كان في مهمه واحده بعينها عام 1502 ارسل ميكافيلي رسولاً الى شخص كان يرعب ايطاليا كلها تشيزاري بورجيا ابن البابا الاسكندر السادس القائد العسكري الذي كان يبني امبراطوريه بالسيف والسم والغدر رجل وصفه المعاصرون بانه شيطان بشري لكن ميكافيلي رأى شيئا اخر رأى رجلا يعرف بالضبط ما يريد رجلا لا يتردد لا يتورع لا يضيع وقته في الندم او في محاوله ارضاء الجميع رجلا يحسب كل خطوه يستبق اعداءه ويضرب قبل ان يضرب وذات ليله شهيرة في مدينه سينغاليا دعا بورجيا خصومه لاجتماع مصالحه جاؤوا واثقين جلسوا يتحدثون ثم في لحظه واحده اغلقت الابواب واعتقلوا جميعا وشنقوا في نفس الليلة ميكافيلي كان هناك رأى ما حدث بعينيه وبدلا من ان يصاب بالهلع او الاشمئزاز كتب الى فلورنسا يصف ما شاهده بأعجاب بارد ومحسوب أهذا رجل يعرف كيف يحكم تلك اللحظة في سنغاليا لم تغادر ذهن ميكافيلي ابدا بورجيا سيصبح لاحقا النموذج الذي يستحضره في كتاب الامير سنوات طويله قضاها ميكافيلي في خدمه الجمهورية الفلورنسيه ارسل رسولاً الى فرنسا التقى الملك لويس الثاني عشر ارسل الى الامبراطور ماكسيميليان رأى كيف تعمل الامبراطوريات الكبرى ارسل الى البابا يوليوس الثاني البابا المحارب الذي كان يقود جيوشه بنفسه ويرتدي الدرع فوق ثوبه الكنسي وفي كل مهمه كان يأخذ ملاحظاته يرصد الانماط يفهم العلاقة بين السلطة والبقاء لكن اهم ما فعله ميكافيلي في تلك السنوات لم يكن الدبلوماسية كان اعاده تنظيم الجيش الفلورنسي كانت فلورنسا تعتمد على المرتزقة الاجانب  للدفاع عنها رجال يقاتلون بالمال بالولاء ميكافيلي رأى الخطر في هذا النظام بوضوح الجيش الذي تدفع له يمكن ان يدفع له عدوك اكثر فاقنع الجمهورية بتأسيس جيش وطني من المواطنين الفلورنسيين انفسهم كان هذا انجازا حقيقيا وكان دليلا على ان ميكافيلي لم يكن مجرد مراقب للسياسة بل كان يؤثر فيها ثم جاءت الكارثة عام 1512 عادت عائله آل ميديشي الى فلورنسا بدعم اسباني ومباركه بابوية الجمهورية التي خدمها ميكافيلي 14 عاما انهارت في اسابيع فصل من منصبه فورا ثم في عام 1513 وجدت وثيقه تشير الى اسمه في مؤامرة مزعومة ضد آل مديشي ربما كانت حقيقيه ربما ما كانت ملفقه لكن ذلك لم يكن مهما اعتقل والقي في السجن عذب بطريقه سترابان ربط يديه خلف ظهره ورفع في الهواء ثم اسقط فجاه دون ان يلمس الارض مرات ومرات  حتى تكسر الكاهل وتتمزق الأربطة اربع مرات عذب بهذه طريقه ولم يعترف ثم جاء عفو عام بمناسبه انتخاب بابا جديد من عائله مديشي واطلق سراحه رجع الى داره المتواضعة خارج فلورنسا منفي فعليا من المدينة التي احبها وخدمها في تلك العزلة في تلك المرارة في ذلك الصمت القصري ولد اعظم كتاب في تاريخ الفلسفة  السياسية يصف ميكافيلي في رساله لصديقه فرانشيسكو فيتوري كيف كان يقضي يومه في المنفى في النهار يتحدث مع الفلاحين يلعب معهم الورق والنرد في الحانه يتشاجر معهم على فلسات لكن في المساء يعود الى البيت يخلع ملابس الفلاح الوضيعة ويرتدي ثيابا رسميه ثم يدخل مكتبه ويفتح كتب القديمة ويقول في رسالته بكلمات تحبس الانفاس ادخل الى البلاطات القديمة للرجال القدامى وهناك يستقبلني بحفاوة اولئك الرجال واتغذى بالطعام الذي هو وحده طعامي الحقيقي والطعام الذي ولدت من اجله في تلك الجلسات الليلية مع ارواح الماضي كتب كتاب الامير ما الذي كتب ميكافيلي في هذا الكتاب الذي ارعب العالم قال ببساطه ما كان الجميع يعرفه لكن لا احد يجرؤ على قوله بصوت عال قال الحكم ليس كما تصفه الكتب الدينية والفلسفية الحكم هو ما يحدث فعلا في الغرف المغلقة وهناك فرق كبير بين الاثنين المفكرون من قبله كانوا يكتبون عن الامير المثالي الحاكم الفاضل الملك العادل ميكافيلي سألهم سؤالا واحدا محرجا اين هو هذا الامير المثالي اروني في التاريخ ثم اجاب بنفسه لا يوجد لأنه لو وجد لما استطاع الحكم يوما واحدا لان عالم السياسة ليس عالم القديسين بل عالم الذئاب والذئب الذي يحاول ان يكون حملا سيوكل المبادئ الكبرى التي قالها ميكافيلي وارعبت العالم الامير يجب ان يعرف كيف يستخدم القوه والحيلة معا الاسد يخيف الذئاب لكن الاسد لا يرى الفخاخ لذلك الامير يحتاج قوه الاسد وذكاء الثعلب في آن واحد الخوف افضل من الحب في السياسة من الافضل ان يخافك الناس ام ان يحبوك الجواب المثالي ان يكون الامران معاً اذا اضطررت للاختيار فالخوف اكثر امانا لان الحب مشاعر والمشاعر تتغير اما الخوف فهو حساب والحساب اكثر ثباتا الغاية تبرر الوسيلة اذا كانت نتيجة فعلك تنقذ الدولة وتحفظ النظام التي استخدمت لا يحكم عليها التاريخ بقسوة الناس يحكمون على النتائج لا على الطرق لكن الاهم من كل هذا قال ميكافيلي شيئا لم يقله احد قبله بهذه الصراحة والاخلاق السياسة عالمين مختلفان القديس يمكنه ان يكون قديسا لأنه لا يحكم لكن الحاكم يجب ان يختار احيانا بين أن يكون طيبا وان يبقى واذا كان عليه ان يختار فعليه ان يبقى الحاكم الذي سقط لم يعد بإمكانه فعل الخير لاحد الكنيسة وصفت هذا الكتاب بانه كتاب الشيطان وضعته على قائمه الكتب المحرمة عام  1559 ملوك اوروبا اعلنوا رفضهم له علنا بينما كانوا يقرؤونه سرا في غرف نومهم يقال ان الملك هنري الثالث ملك فرنسا وجد الكتاب في جيبه ليله اغتياله يقال ان نابوليون كتب تعليقات على نسخه           الشخصية من الكتاب وهي تحتوي على الآف الكلمات وفريدريك الكبير ملك بروسيا كتب ردا نقديا على الكتاب وهو شاب يصف فيه ميكافيلي بالشر ثم حين اصبح ملكا طبق كل ما كتب عنه ميكافيلي حرفيا لان الحقيقة التي كتبها ميكافيلي لا تختفي بأحراق الكتاب الحقيقة تبقى حقيقه سواء سميناها ام اخفيناها لكن هل كان ميكافيلي يؤمن فعلا بكل ما كتبه هنا يكمن السر الحقيقي الذي يغفله كثيرون           ميكافيلي لم يكن يكتب دليلا للطغاة كان يكتب لأمير ايطالي يحلم ان يوحد ايطاليا المشتتة ويحررها من الاحتلال الاجنبي في الفصل الاخير من كتاب الامير يظهر ميكافيلي الحقيقي يكتب بعاطفه جياشه عن حلمه بإيطاليا موحده حره يقتبس من شعر بترارك عن وطن مستعبد  يطلب التحرر هذا ليس صوت مستشار الطغيان هذا صوت وطني حقيقي ميكافيلي كان يقول للأمير الايطالي اذا اردت ان تحرر وطنك فعليك ان تفهم القواعد الحقيقية للعبه لا القواعد المزيفة التي يعلمها رجال الدين والفلاسفة المثاليون لم يكن يمجد الشر كان يكشف الشر كي يهزم في سنواته الأخيرة كتب ميكافيلي ايضا اعمالا اخرى لا تذكر بنفس القدر كتب كتاباً ضخم على تيتوس ليفيوس وهو كتابه السياسي الاعمق والاشمل كتب فن الحرب الذي اثر في القادة العسكريين لقرون كتب مسرحيات كوميدية لا تزال تعرض حتى اليوم وكتب تاريخ فلورنسا بطلب من آل مديشي انفسهم الذين عادوا الى استخدامه في النهاية بعد ان ادركوا قيمته لكن المصالحة لم تكن حقيقيه ميكافيلي ظل يحلم بالعودة الى الحياه العامة بمنصب حقيقي يمكنه من الفعل لا مجرد الكتابة ولم يحدث يونيو 1527 بعد ان انهارت سلطه آل مديشي مجددا بسبب نهب روما على يد قوات الامبراطور تشارلز الخامس عادت فلورنسا الى نظام جمهوري فرصه ميكافيلي اخيرا لكن الجمهوريين الجدد رفضوه لأنه كان يعمل مع آل مديشي وآل مديشي رفضوه لأنه خدم الجمهورية رجل لا مكان له في اي معسكر بعد اسابيع قليله من هذا الرفض المزدوج مرض ميكافيلي بشده وفي الحال من يونيو 1527 مات نيكولا ميكافيلي وعمره 58 عاما مات كما عاش خارج السلطة بعيدا عما كان يريده لكن بعقل لم يتوقف لحظه عن الفهم ميكافيلي ترك لنا ما تعكس السياسة كما هي كما نتمنى ان تكون وهذه المرآه اخافتنا لأننا راينا فيها انفسنا لم يكن ميكافيلي يدعو الى الشر كان يقول الشر موجود والتظاهر بانه غير موجود لن يجعله يختفي الفرق بين السياسي الناجح والفاشل ليس ان احدهم اخلاقي والاخر غير اخلاقي الفرق ان احدهم يرى الواقع كما هو والاخر يرى الواقع كما يريده ان يكون وفي السياسة الواقع لا يرحم احلام المثاليين قرأة ميكافيلي كل التاريخ الروماني وكل تاريخ ايطاليا وخلص الى نتيجة واحده البشر لا يتغيرون الزمان يتغير الأسلحة تتغير الاسماء تتغير لكن الطمع والخوف والغدر والولاء هذه لم تتغير منذ كان روميولس يبني روما وهذا يعني ان الدروس التي استخلصها ميكافيلي من التاريخ القديم تنطبق على اليوم بنفس الدقة لهذا السبب يقرا كتاب الامير اليوم كما كان يقرأ في القرن السادس عشر  لان الحقيقة التي يحكيها لم تتقادم اليوم حين يصف احدهم سياسيا ماكرا لأنه  ميكافيلي يظن انه يسبه لكنه في الحقيقة يعترف بشيء واحد ان هذا السياسي يفهم قواعد اللعبة الحقيقية     ميكافيلي لم يخترع هذه القواعد اكتشفها في التاريخ رآها في واقعه وجرؤ على كتابتها الجريمة الحقيقية التي لا يغفرها له التاريخ الرسمي ليست انه دعا الى الشر جريمته انه قال الحقيقة في عالم يفضل الأكاذيب المريحة وهذا وحده كاف لان يظل اسمه يلفظ بالخوف والاحترام والدهشة بعد خمسه قرون من موته رجل واحد بقلم واحد في منف صغير كسر اعظم وهم في تاريخ السياسة البشرية  وهم ان الحكام يحكمون بالأخلاق وهم ان السلطة لها ضمير وهم ان ما يقال في الخطب هو ما يحدث خلف الابواب ميكافيلي لم يكن شيطانا كان ما رآه والمشكلة ليست في المرآة المشكلة في وجوهنا التي تعكسها المرآة.