سؤال يطرح نفسه هل يوجد يسار، نعم هناك يسار عراقي متعدد الأطياف إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي، وإن كان أضعف حضوراً وتنظيماً، فبالإضافة إلى الحزب الشيوعي، تشارك في المشهد السياسي المدني واليساري تنظيمات مثل البيت الوطني، وحزب الاستقلال الوطني، وحركات مثل التيار الديمقراطي، وحركة الوفاء، والحركة المدنية الوطنية، وحركة كفى، وحركة المثقف العراقي، إضافة إلى فصائل ماركسية أصغر مثل النهج الديمقراطي العمالي، الذي يصدر بيانات وتحليلات مستقلة عن موقف الشيوعي العراقي، كما ضم تحالف البديل الانتخابي هذه القوى مجتمعة إلى جانب الحزب الشيوعي في انتخابات 2025 لكن نتائج هذه القوى المدنية واليسارية في تلك الانتخابات كانت شبه صفرية، ما يعكس عمق أزمة تمثيلها الشعبي.

اليسار العراقي: الضرورة، الأزمة، وآفاق الجبهة الشعبية

لا يزال وجود يسار عراقي فاعل ضرورة ملحّة، ذلك أن هيمنة القوى الدينية والقومية اليمينية على السلطة أعادت المجتمع العراقي إلى الوراء ونشرت الفقر والفساد والاستبداد، وعمّقت الانقسام الطائفي، والقومي والتمييز الطبقي الجندري، غياب اليسار أو تشتته يعني ترك الساحة فارغة أمام هذه القوى، غير أن اليسار العراقي، بمختلف تلاوينه، يعاني أزمة بنيوية عميقة تشتت تنظيمي بين عشرات الفصائل الصغيرة، ضعف الحاضنة الشعبية بعد عقود من التهميش والاستهداف الأمني لناشطي الحراك المدني، وصعوبة المنافسة داخل نظام انتخابي يميل لصالح الكتل الطائفية الكبيرة ذات الموارد المالية والشبكات المحسوبية الواسعة، وقد ظهرت هذه الأزمة بوضوح في النتائج شبه الصفرية للقوى المدنية واليسارية في انتخابات 2025، رغم اجتماعها في تحالف البديل، أما آفاق قيام جبهة شعبية عريضة تجمع اليسار بمكوناته المختلفة مع القوى المدنية والديمقراطية الأخرى، فتبقى ممكنة نظرياً لكنها مشروطة بتجاوز عقبات جوهرية.

أبرز التحديات:

الانقسام الأيديولوجي والتنظيمي بين فصائل اليسار نفسها، وصعوبة الاتفاق على برنامج مشترك.

ضعف القاعدة الجماهيرية، خصوصاً بين الشباب والفئات الكادحة التي هي المخاطَب الطبيعي لليسار.

غياب موارد إعلامية ومالية مستقلة توازي قدرات الأحزاب المهيمنة.

تعرّض ناشطي الحراك المدني لتهديدات واغتيالات أضعفت من قدرة القوى المدنية على العمل العلني.

سبل التجاوز الممكنة:

بناء برنامج حد أدنى مشترك يركّز على القضايا المعيشية والخدمية المباشرة (الفقر، البطالة، الفساد) بدل الخلافات الأيديولوجية التفصيلية.

الانفتاح على الحراك النقابي والعمالي والطلابي كقاعدة تنظيمية بديلة عن المحسوبية الطائفية.

تنسيق انتخابي وميداني دائم بين مكونات اليسار والقوى المدنية، لا مجرد تحالف موسمي وقت الانتخابات.

الاستثمار في الإعلام البديل ووسائل التواصل للوصول إلى الفئات الشابة.

من دون تجاوز هذه العقبات، سيبقى دور اليسار في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، وفي الدفاع عن الفئات الكادحة والأكثر حرماناً، دوراً هامشياً رغم شرعيته ومشروعيته التاريخية.

أسئلة للنقاش حول الموضوع:

أولاً: هل يمكن أن تنجح جبهة شعبية تجمع اليسار العراقي بمختلف تلاوينه مع القوى المدنية، أم أن التباينات الأيديولوجية والتنظيمية ستظل عائقاً أمام أي وحدة حقيقية؟

ثانياً: ما الذي يفسّر ضعف قدرة اليسار العراقي على استقطاب الفئات الكادحة والمتضررة اقتصادياً، رغم أن قضاياها تقع في صميم خطابه؟

ثالثاً: هل يمثّل العزوف الانتخابي المتزايد وضعف نتائج القوى المدنية فرصة لليسار لإعادة التموضع خارج صناديق الاقتراع (عبر العمل النقابي والمجتمعي)، أم أنه مؤشر على تراجع أوسع في تأثيره؟

جاكوب شامايا