على وقع تحولات إقليمية ودولية ومنذ تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة في نهاية أبريل/نيسان 2026 خلفاً لحكومة محمد شياع السوداني، لم يكن المشهد مجرد استحقاق دستوري روتيني يُنجَز وفق الجداول الزمنية المعتادة، بل بدا أقرب إلى محطة تُعيد ترتيب موازين القوى داخل المنظومة الحاكمة في بغداد، فالطريق إلى تسمية الزيدي مرشحاً لم يكن مفروشاً بالتوافق منذ البداية، إذ سبقه طرح اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي مطلع العام، وهو ترشيح قوبل باعتراضات وتحفظات إقليمية ودولية دفعت الإطار التنسيقي الشيعي إلى إعادة حساباته، والاستقرار في نهاية المطاف على شخصية إدارية مالية أقل استقطاباً من الوجوه الحزبية التقليدية، هذا المسار بحد ذاته يكشف أن تشكيل الحكومة لم يكن نتاج توافق داخلي محض، بل محصلة تفاعل معقد بين الفاعلين المحليين وضغوط خارجية لم تعد بغداد بمنأى عنها.
ولم يكن اختيار الزيدي، الذي وُلد عام 1986 وينحدر من محافظة ذي قار جنوب العراق، معزولاً عن سياق أوسع من إعادة تشكّل التحالفات داخل البيت الشيعي نفسه، فبعد سنوات من هيمنة موازين قوى معينة على قرار تسمية رئيس الحكومة، جاء الانتقال من السوداني إلى الزيدي ليعكس رغبة لدى أطراف مؤثرة في الإطار التنسيقي بتقديم وجه إداري جديد يحمل خبرة تقنية ومالية أكثر منها خبرة حزبية أو ميدانية، في محاولة لتلافي الانتقادات التي طالت الحكومات السابقة بشأن بطء الإصلاح ومحدودية الاستقلالية الإدارية عن مراكز القوى التقليدية ومع ذلك، فإن كون الحكومة وُلدت من رحم توافق الإطار التنسيقي نفسه يجعلها، بحكم التكوين، امتداداً للمنظومة القائمة أكثر منها بديلاً عنها، وهو ما يضع سقفاً واقعياً لحجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه على المدى القريب.
مخاض حكومي تحت مجهر الخارج: رافقت عملية التشكيل حالة من الترقب الدولي غير المعتادة، تجلّت في تحركات مبكرة للزيدي نفسه، الذي بادر بزيارة إقليم كردستان والاجتماع برئيسه نيجيرفان بارزاني ورئيس حكومته مسرور بارزاني، في مسعى لتوسيع قاعدة الدعم السياسي قبل استكمال التشكيلة الوزارية، كما أجرى مشاورات موسعة مع مكونات الإطار التنسيقي، من منظمة بدر إلى تيار الحكيم ونوري المالكي نفسه، في محاولة لتظهير صورة حكومة توافقية لا تُقصي أياً من الأطراف المؤثرة، هذا الحرص على بناء تحالف عريض يعكس إدراكاً بأن الحكومة الجديدة تُقيَّم من الخارج بقدر ما تُقيَّم من الداخل، خصوصاً في ظل تصاعد الاهتمام الأمريكي والإقليمي بطبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية العراقية والفصائل المسلحة، وهو ملف بقي حاضراً في الخلفية خلال كل محطات التفاوض على الحقائب الوزارية وتوزيع الحصص بين الكتل الشيعية والسنية والكردية.
هذا الترقب الدولي لا ينفصل عمّا يوصف بمعطيات مشروع الشرق الأوسط الجديد، حيث باتت الحكومات العراقية المتعاقبة تُقرأ في سياق أوسع من إعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي، بين واشنطن وطهران من جهة، وبين مسارات التطبيع والتهدئة الإقليمية من جهة أخرى، وبقدر ما تسعى بغداد إلى الحفاظ على مسافة متوازنة بين هذه المحاور، فإن أي تشكيلة حكومية جديدة تصبح، شاءت أم أبت، جزءاً من اختبار قدرة العراق على إدارة هذا التوازن الدقيق دون الانزلاق إلى الاصطفاف الكامل مع أي طرف.
ولعل أبرز تجليات هذا الترقب الخارجي كان في الاعتراض الأمريكي الذي رافق طرح اسم نوري المالكي مرشحاً بديلاً قبل استقرار الترشيح على الزيدي، وهو ما يعكس أن واشنطن لا تزال تنظر إلى تشكيل الحكومة العراقية باعتباره ملفاً يمسّ مصالحها الإقليمية المباشرة، لا شأناً داخلياً بحتاً في المقابل، حرصت طهران على الإبقاء على قنوات تواصلها التقليدية مع مكونات الإطار التنسيقي، بما يضمن عدم خروج التشكيلة الحكومية عن الحدود المقبولة لديها وبين هذين الاهتمامين المتقاطعين، برزت مسألة إدارة العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة كأحد أكثر الملفات حساسية في المشاورات، إذ تطالب أطراف دولية وإقليمية بضبط هذه العلاقة ضمن أطر الدولة الرسمية، بينما تتمسك أطراف محلية بأن هذه الفصائل جزء أصيل من المنظومة الأمنية والسياسية العراقية لا يمكن تجاوزه أو تهميشه هذا التجاذب لم يُحسم بعد، وسيبقى على الأرجح أحد أبرز محكّات استقرار حكومة الزيدي خلال الأشهر المقبلة.
بصمة اقتصادية لم تكن في الحسبان: على عكس التوقعات التي رأت في الزيدي، بحكم خلفيته المصرفية والمالية والقانونية وخبرته الإدارية في مؤسسات مثل الشركة الوطنية القابضة ومصرف الجنوب، رئيساً تكنوقراطياً هادئاً بعيداً عن الأضواء، وجد نفسه سريعاً في قلب نقاش عام حاد حول السياسات الاقتصادية، فبمجرد استكمال ملامح حكومته، بدأ الزيدي بطرح رؤية تستهدف كسر الجمود الإداري الذي طبع أداء الدولة العراقية لسنوات، عبر التركيز على تحديث آليات العمل الحكومي وربطها بمنظومات إلكترونية بدل الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية هذا التوجه، وإن بدا تقنياً في ظاهره، إلا أنه يحمل بعداً سياسياً واضحاً إعادة تعريف علاقة الدولة بمواردها ومؤسساتها بعيداً عن منطق المحاصصة الذي حكم توزيع الإدارات والدوائر لعقدين.
تسعى الحكومة الجديدة إلى تبنّي استراتيجية أُطلق عليها إعلامياً بناء اقتصاد جديد، ترتكز على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط، ومكافحة الهدر المالي في مفاصل الدولة، ويأتي هذا التوجه في وقت حرج تعيش فيه الموازنة العامة ضغوطاً متزايدة بفعل تقلبات أسعار النفط العالمية، وارتفاع النفقات التشغيلية والرواتب مقابل تراجع نسبي في مساحة الإنفاق الاستثماري، وهو واقع يجعل من ترشيد الإنفاق ومكافحة الهدر مساراً شبه إلزامي أكثر منه خياراً سياسياً تفضيلياً، ومن أبرز تجليات هذا التوجه توجيهات الزيدي بشأن هيئة المنافذ الحدودية، التي زارها شخصياً وأكد خلالها أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات غير مسبوقة وحازمة لإنهاء محاولات الاحتيال والتلاعب، مع ربط جميع المنافذ بمنظومة إلكترونية موحدة توفر مواقف يومية دقيقة عن حركة العمل والإيرادات، إضافة إلى توجيه المنافذ نحو التمويل الذاتي عبر اقتطاع الرسوم الضريبية والجمركية قبل إجراء أي تحويلات مالية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الاعتماد على الأتمتة والربط الإلكتروني بين المنافذ يمثل نقلة نوعية عن الأساليب التقليدية في الرقابة، التي أثبتت محدوديتها على مدى سنوات في ضبط الإيرادات الجمركية ومنع التسريبات، فيما يشدد آخرون على أن نجاح أي منظومة رقمية يبقى مرهوناً بإرادة سياسية حقيقية في تطبيقها دون استثناءات، إذ سبق لمشاريع مشابهة في قطاعات حكومية أخرى أن اصطدمت بمقاومة بيروقراطية أفرغتها من مضمونها العملي بعد حين من إطلاقها.
محاربة الفساد بلا خطوط حمراء: يبرز ملف المنافذ الحدودية بوصفه العنوان الأبرز لاختبار جدية الحكومة في محاربة الفساد، ذلك أن هذه المنافذ ظلت لسنوات طويلة موضع اتهامات متكررة بالتهريب والتهرب الضريبي والتلاعب بالإيرادات، في ظل نفوذ متشابك بين جهات رسمية وأطراف غير رسمية، وقد شدد الزيدي على أن هذه المنافذ تمثل واجهة الدولة وبوابتها الاقتصادية والأمنية والسيادية في آن واحد، وأن مكافحة الفساد فيها لن تخضع لأي مجاملات أو استثناءات، وصولاً إلى ملفات التهريب المرتبطة بالمخدرات والأدوية، التي وُصفت بأنها تستهدف أمن المجتمع بشكل مباشر.
هذا الخطاب الحازم، وإن حظي باستحسان واسع في الأوساط الشعبية المتعطشة لإصلاح حقيقي، يواجه في المقابل تحديات بنيوية عميقة، فمنظومة المحاصصة السياسية التي أفرزت الحكومة نفسها هي ذاتها التي أنتجت شبكات النفوذ داخل المنافذ والدوائر الرسمية، ما يجعل أي إصلاح جاداً مساساً مباشراً بمصالح أطراف شريكة في الحكم، ولذلك يرى مراقبون أن نجاح هذا الملف رهين بمدى استعداد الكتل السياسية نفسها للتخلي عن امتيازاتها في هذه المفاصل الحساسة، بينما يشكك آخرون في قدرة أي حكومة توافقية على تنفيذ إصلاحات جذرية تمس مصالح شركائها في السلطة، معتبرين أن التصريحات الحازمة قد تبقى في حدود الخطاب دون أن تترجم إلى تغيير هيكلي فعلي.
إعادة تموضع لا قطيعة: في المحصلة، لا تبدو حكومة الزيدي قطيعة جذرية مع المنظومة السياسية القائمة، بقدر ما هي إعادة تموضع داخلها، تحاول التوفيق بين مطلب الاستقرار الذي يريحه الفاعلون التقليديون، ومطلب الإصلاح الإداري والاقتصادي الذي يفرضه الواقع الاقتصادي الصعب والضغط الشعبي المتصاعد وبين هذين المطلبين، تقف الحكومة الجديدة أمام اختبار مزدوج إثبات قدرتها على إدارة التوازنات الإقليمية والدولية دون التفريط بالسيادة الوطنية، وإثبات جديتها في معالجة ملفات الفساد والإدارة دون أن تصطدم بالبنية السياسية التي أوصلتها إلى السلطة أصلاً، ويبقى الحكم النهائي على هذه التجربة رهيناً بما ستؤول إليه الأشهر المقبلة من نتائج ملموسة، لا بما يُعلن من نوايا وتصريحات.
جاكوب شامايا