استحقاق مصيري في ظل تحول تشريعي غير مسبوق تتجه السويد يوم 13 سبتمبر/أيلول 2026 إلى صناديق الاقتراع في انتخابات عامة تنعقد بالتزامن مع الانتخابات البلدية والإقليمية، وذلك لانتخاب 349 عضواً في البرلمان (الريكسداغ)، لكن هذه الدورة الانتخابية تختلف عن سابقاتها: فهي تأتي بعد سلسلة من أعمق التغييرات التي شهدها قانون الجنسية والإقامة السويدي منذ عقود، وهو ما يجعل الاستحقاق أقرب إلى استفتاء ضمني على فلسفة من هو السويدي وليس مجرد تنافس حزبي تقليدي على السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
من اتفاق تيدو إلى التشريع: كيف تغيّرت قواعد اللعبة فعلياً منذ توقيع اتفاق تيدو في أكتوبر 2022 بين حزب المحافظين والديمقراطيين المسيحيين والليبراليين من جهة، وحزب ديمقراطي السويد (SD) كشريك داعم من خارج الحكومة من جهة أخرى، سعت الحكومة إلى ترجمة بنود الاتفاق إلى تشريعات ملموسة قبيل الانتخابات.
أبرز هذه التحولات.
قانون جنسية جديد بالكامل: أقر البرلمان في أواخر أبريل 2026 قواعد جديدة دخلت حيز التنفيذ في 6 يونيو 2026، تشمل تمديد فترة الإقامة الدائمة المطلوبة، واشتراط الاكتفاء الذاتي المالي (دخل شهري لا يقل عن نحو 20,850 كرونة قبل الضريبة)، وإدخال اختبارات في اللغة السويدية والمعرفة المجتمعية تُطبَّق تدريجياً بدءاً من أغسطس 2026.
إلغاء الإقامة الدائمة للاجئين: في 9 يونيو 2026 صوّت البرلمان على إنهاء منح الإقامة الدائمة لطالبي اللجوء والمقيمين بالحماية الفرعية مستقبلاً، لتحل محلها تصاريح مؤقتة قابلة للتجديد فقط، مع بدء سريان آليات سحب الإقامات الدائمة القائمة اعتباراً من مطلع 2027.
مقترحات دستورية لسحب الجنسية: تدرس الحكومة تعديلات دستورية تتيح سحب الجنسية عن مزدوجي الجنسية المدانين بجرائم ضد أمن الدولة، وهي خطوة غير مسبوقة في التاريخ السويدي الحديث الذي اعتبر الجنسية حقاً لا رجعة فيه.
أزمة برلمانية حول القواعد الانتقالية: في أبريل 2026، أخلّ حزب ديمقراطي السويد بـ اتفاق الجنتلمان التقليدي (kvittning) الذي يوازن غياب النواب بين الكتلتين، حين صوّت نائبان تابعان له خلافاً للتفاهم المسبق، فسقط اقتراح المعارضة بمنح قواعد انتقالية لأصحاب الطلبات المعلقة بفارق صوت واحد فقط، الحادثة أثارت أزمة ثقة برلمانية ووُصفت بأنها قد تنهي عرفاً عمره عقود هذه التغييرات، مجتمعة، تحوّل الجنسية من وثيقة ختامية لمسار اندماج تراكمي إلى ما يشبه عقداً مشروطاً بمعايير سلوكية ومالية ولغوية متجددة.
حزب ديمقراطي السويد: من هامش الاحتجاج إلى صانع الأجندة يمثل حزب ديمقراطي السويد بقيادة جيمي أوكيسون المحرك الأساسي وراء هذا التحول، رغم بقائه خارج التشكيلة الوزارية الرسمية حتى الآن الحزب، الذي حصل على أكثر من 20% من الأصوات في انتخابات 2022 وأصبح ثاني أكبر كتلة في البرلمان، ينطلق من قناعة مفادها أن الهوية السويدية الحقيقية مرتبطة بدرجة أعمق من الاندماج الثقافي واللغوي لا تكتفي بها الوثيقة القانونية وحدها، وأن ضعف هذه المعايير في العقود الماضية أسهم فيما يصفه بمشكلات في التماسك الاجتماعي وسوق العمل ومعدلات الجريمة في بعض الأحياء وقد نجح الحزب في فرض هذا الخط كمعيار حاكم لسياسات الائتلاف، ما وضع حزب الليبراليين تحديداً أمام معضلة تمرير تشريعات هجرة متشددة يعارضها جزء من قاعدته التقليدية، مقابل البقاء في الحكم.
الموقف الآخر: حجج الاندماج والانضباط المالي في المقابل، تقدّم الحكومة والحزب مبرراتهم على أنها إصلاح ضروري وليس إقصاءً فمعايير مثل اختبار اللغة والاكتفاء الذاتي المالي معمول بها في دول أوروبية أخرى، والهدف المعلن هو تعزيز قيمة الجنسية السويدية وضمان اندماج فعلي في سوق العمل والمجتمع قبل منحها، وليس تمييزاً عرقياً كما يشير مؤيدو هذا التوجه إلى استطلاعات الرأي التي أبقت الأحزاب الأربعة (المحافظون، الديمقراطيون المسيحيون، الليبراليون، وديمقراطيو السويد) قريبة من تحقيق أغلبية برلمانية، ما يعني أن جزءاً معتبراً من الناخبين يرى في هذه السياسات استجابة لقلق مشروع بشأن الاندماج والأمن، لا مجرد نزعة إقصائية.
ماذا يعني هذا للمجتمعات ذات الأصول المهاجرة؟ من منظور منتقدي هذا التوجه، فإن الانتقال من الإقامة الدائمة إلى التصاريح المؤقتة القابلة للسحب، وتشديد شروط الجنسية دون قواعد انتقالية تحمي الطلبات المعلقة، يخلق حالة من عدم اليقين القانوني لدى مئات آلاف المقيمين، بصرف النظر عن مسارهم المهني أو التعليمي، ويحوّل الانتماء من حالة مكتسبة ثابتة إلى وضع قابل للمراجعة الدورية، أما مؤيدو السياسة فيرون أن فترات انتقالية طويلة قد تُستغل لتثبيت أوضاع لا تلبي المعايير الجديدة، وأن الوضوح التشريعي ولو كان صارماً أفضل من الغموض الذي ساد العقود السابقة.
أفق 13 سبتمبر: ماذا تقول استطلاعات الرأي؟ تُظهر استطلاعات الرأي حتى منتصف 2026 منافسة محتدمة بين كتلة يمين الوسط اليمينية (تيدو) وكتلة يسار الوسط بقيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة ماغدالينا أندرسون، مع بقاء حزب ديمقراطي السويد ثاني أكبر قوة برلمانية وقد أعلن الحزب صراحة عن طموحه للحصول على مقاعد وزارية رسمية في أي حكومة يمينية مقبلة، وهو ما قد يمثل خطوة أبعد في اندماجه بالحكم المباشر بدل الدعم من الخارج كما هو الحال منذ 2022 بهذا المعنى، لا تُعد انتخابات 13 سبتمبر 2026 مجرد إعادة تموضع حزبي، بل محطة يقرر فيها الناخب السويدي إما تثبيت هذا النموذج الجديد للمواطنة المشروطة وربما تعميقه عبر دخول ديمقراطي السويد الحكومة رسمياً، أو إعادة التوازن نحو مقاربة أقل تشدداً في قوانين الهجرة والجنسية.
ملاحظة: هذا الموضوع يعرض الحجج المتداولة من الطرفين حول قضية جدلية سياسياً، استناداً إلى معطيات تشريعية وبرلمانية موثقة حتى أغسطس 2026. التطورات لاحقاً قد تُحدّث بعض التفاصيل قبل موعد الانتخابات.
جاكوب شامايا
26 آب 2026