تتجه السويد يوم 13 سبتمبر/أيلول 2026 إلى صناديق الاقتراع في استحقاق يوصف بأنه الأكثر أهمية منذ عقود، إذ يتزامن مع أول انتخابات عامة منذ انضمام البلاد إلى حلف الناتو، ومنذ إقرار أشد حزمة تشريعات هجرة تقييداً في تاريخها الحديث. وفي خضم هذا المشهد، تبرز الجاليات المهاجرة كفاعل انتخابي متزايد الوزن، تحاول عبر أدوات سياسية وتنظيمية وإعلامية أن تترك بصمتها على نتائج التصويت، رداً على سلسلة من القوانين التي طالت أوضاع الإقامة والجنسية والحقوق المدنية.

خلفية تشريعية متسارعة: شهدت الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات تسارعاً لافتاً في وتيرة التشريعات المتعلقة بالهجرة، فقد أعلن وزير الهجرة السويدي يوهان فورسل مطلع العام عن خطة لتمرير اثنتي عشرة قانوناً جديداً في ما وصفه بأنه أكبر تحول تشهده سياسة الهجرة في تاريخ البلاد، مؤكداً أن الحكومة عازمة على تنفيذ كل ما وعدت به الناخبين وفي يونيو/حزيران، أقر البرلمان ما يعرف بـ قانون السلوك الجيد الذي يتيح سحب تصاريح الإقامة استناداً إلى معايير سلوكية فضفاضة، إلى جانب إلزام عدد من موظفي القطاع العام بالإبلاغ عن الأشخاص المشتبه في إقامتهم غير القانونية، وهو ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية، كما دخل حيز التنفيذ في مارس/آذار تعديل يرفع مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من خمس سنوات إلى ثماني سنوات، مع فرض اختبارات إلزامية في اللغة والثقافة المدنية والاكتفاء الذاتي المالي وابتداءً من الأول من سبتمبر، تدخل حيز التنفيذ قواعد جديدة تسهّل ترحيل الأجانب المدانين بجرائم، هذه التحولات دفعت جهات وحملات مدنية، مثل حملة التحول العادل، إلى الإعلان عن نيتها الطعن في التطبيق الرجعي لبعض هذه القوانين أمام محاكم الهجرة، وربما أمام هيئات قضائية دولية، مع التعهد بالضغط على أي حكومة قادمة لإعادة النظر في هذه السياسات إذا خسر الائتلاف الحاكم الحالي مقاعده.

التصويت كأداة ضغط: من أبرز ما يميز المشهد الانتخابي لعام 2026 أن شريحة واسعة من السكان المولودين خارج السويد لها مصلحة مباشرة في نتائج الاقتراع، حتى لو لم تحصل بعد على الجنسية السويدية فبموجب النظام الانتخابي، يحق لمواطني الاتحاد الأوروبي والنرويج وآيسلندا التصويت في الانتخابات المحلية والإقليمية فور تسجيلهم، بينما يحق لمواطني بقية الدول، بمن فيهم المهاجرون من خارج الاتحاد الأوروبي، التصويت في الانتخابات نفسها بعد ثلاث سنوات متواصلة من الإقامة المسجلة، دون الحاجة إلى تقديم طلب مسبق.

هذا الحق الانتخابي المحلي يفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ التصويت العقابي، حيث تسعى بعض الجاليات إلى معاقبة الأحزاب التي تبنّت أو دعمت تشديد قوانين الهجرة، عبر تحويل أصواتها نحو أحزاب المعارضة أو الأحزاب الصغيرة التي تعهدت بمراجعة هذه السياسات، وتراهن هذه الاستراتيجية على أن الانقسامات القائمة داخل الكتلة اليمينية، لا سيما بين حزب الديمقراطيين السويديين وشركائه في الائتلاف الحاكم حول سقف التشدد المطلوب في ملف الهجرة، قد تجعل من الصعب على هذه الكتلة الحفاظ على تماسكها الانتخابي، وهو ما يمنح الأصوات المعارضة تأثيراً أكبر مما توحي به أعدادها المطلقة.

من الهجرة إلى قضايا المعيشة اليومية: على الصعيد الخطابي، تلجأ بعض الحملات الموجهة للجاليات إلى توسيع دائرة الاهتمام من قضايا الهجرة الحصرية إلى ملفات معيشية أوسع تمس عموم الناخبين، مثل الإسكان وتكلفة المعيشة والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب الدفاع عن الحقوق الثقافية والدينية كجزء من خطاب أوسع حول التعددية المجتمعية، الهدف من هذا التحول هو بناء تحالفات انتخابية أعرض لا تقتصر على التصويت العرقي أو الديني، بل تتقاطع مع مصالح شرائح سويدية أصيلة تشعر بدورها بالقلق من تراجع الخدمات العامة، بما يمنح هذه الأصوات وزناً سياسياً أكبر ويقلل من قابليتها للتصنيف كتصويت كتلوي ضيق.

التحشيد الرقمي متعدد اللغات: في الجانب التنظيمي، تعتمد شبكات إعلامية وجمعيات مدنية موجهة للمهاجرين على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام البديل لإطلاق حملات توعية باللغة العربية وعدد من اللغات الأخرى، تشرح آليات التسجيل والتصويت، وكيفية استخدام بطاقة الناخب، وشروط الأهلية للتصويت في الانتخابات المحلية والإقليمية، كما تُخصَّص مواد تفسيرية لشرح التعديلات القانونية الجديدة المتعلقة بشروط الجنسية ومتطلباتها المستحدثة، في محاولة لتبسيط نص تشريعي معقد أمام جمهور قد لا يتابع تفاصيله في الإعلام السويدي التقليدي.

التمثيل داخل القوائم الانتخابية: إلى جانب حشد الأصوات، تتجه بعض الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة بالجاليات إلى العمل من داخل الأحزاب نفسها، عبر تشجيع أبناء الجاليات على الترشح ضمن القوائم الانتخابية للأحزاب الرئيسية، خصوصاً على المستوى البلدي حيث تُعد نسبة المرشحين من أصول مهاجرة أكثر قابلية للتوسع مقارنة بالمستوى الوطني، وتراهن هذه المقاربة على أن وجود ممثلين من داخل الجاليات في المجالس البلدية والإقليمية يمنح هذه الفئات قناة تأثير مباشرة في القرارات المتعلقة بالخدمات المحلية، كالإسكان الاجتماعي والمدارس ودور الرعاية، بمعزل عن نتائج الانتخابات الوطنية التي تتحكم فيها بدرجة أكبر ملفات الهجرة والأمن، كما تعمل بعض المنظمات على تنظيم لقاءات مباشرة بين مرشحي الأحزاب وممثلي الجاليات لعرض مطالبها بشكل مباشر، في محاولة لكسر حاجز اللغة والثقة الذي كثيراً ما يفصل بين المرشحين السويديين التقليديين وشرائح واسعة من الناخبين ذوي الخلفية المهاجرة.

الرواية المقابلة: في المقابل، يرى مسؤولون في الحكومة الحالية أن هذه التشريعات ليست موجهة ضد فئة بعينها، بل تهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون وربط الإقامة الدائمة بالاندماج الفعلي، وقد نفى وزير الهجرة أن يكون في تشديد شروط الجنسية أي نظرة عرقية، مؤكداً أن أي شخص يستقر في السويد بوسعه أن يصبح سويدياً مقبولاً تماماً بفضل ما يقدمه من مساهمات، وأن كثيرين ممن استقروا وعملوا وتعلّموا اللغة يشعرون بالانزعاج من مساواتهم بمن لا يبذلون الجهد نفسه من جهته، يجادل حزب الديمقراطيين السويديين بأن أولوية الدولة يجب أن تكون لمواطنيها والمقيمين طويلي الأمد، فيما تكشف استطلاعات الرأي عن سباق متقارب بين الكتلتين اليمينية واليسارية قبل أسابيع من الاقتراع.

يبقى السؤال المفتوح هو مدى قدرة هذه الاستراتيجيات المتعددة المحاور على إحداث فارق فعلي في نتائج انتخابات تتوزع فيها الأصوات على أحزاب عدة، وسط استقطاب حاد حول ملف الهجرة لا يزال يتصدر أولويات الناخبين السويديين على اختلاف خلفياتهم.