أعاد تصريح هادي العامري، الذي وصف احتجاجات تشرين بأنها فتنة ملفاً لم يغادر الذاكرة العراقية منذ خريف 2019. فالعبارة لم ترد منفصلة عن سياق سياسي، إذ قال العامري إن المقاومة وقفت بوجه تشرين وحافظت على الدولة والنظام السياسي. وبذلك وضع الاحتجاجات والفصائل المسلحة في رواية واحدة، قوامها أن الحركة مثلت تهديداً، وأن مواجهتها كانت دفاعاً عن الدولة. المشكلة في هذا التوصيف أنه يختصر حدثاً معقداً في عنوان أمني. بدأت تشرين احتجاجات واسعة على الفساد، والبطالة، وتردي الخدمات، ونظام المحاصصة، ثم تحولت إلى مطالبة بإصلاح سياسي وانتخابات مبكرة. وشارك فيها عراقيون من بيئات اجتماعية ومناطق مختلفة، فيما رفع المحتجون شعارات تؤكد رغبتهم في استعادة الدولة لا إسقاطها لمصلحة بديل غامض. لا ينفي ذلك وجود محاولات للتخريب أو محاولات لاستثمار الاحتجاجات من قوى داخلية وخارجية. غير أن وجود هذه الاحتمالات لا يمنح أي جهة حق استخدام القوة خارج القانون، ولا يحسم مسبقاً أن كل متظاهر خرج عن مطلبه الأصلي. الفارق بين الدولة والجماعة المسلحة يظهر تحديداً في هذه النقطة: الدولة تحقق، وتقدم الأدلة، وتحيل المتهمين إلى القضاء؛ أما القوة غير الخاضعة للمساءلة فتستبدل التحقيق بالحكم الميداني.
لهذا أثارت عبارة العامري ردود فعل غاضبة من ناشطين وعائلات ضحايا، رأوا فيها إقراراً بدور الفصائل في قمع الاحتجاجات. وقد طالب بعضهم بفتح تحقيق قضائي واستدعاء العامري للاستماع إلى إفادته. لكن من الضروري التمييز بين الاعتراف السياسي والدليل الجنائي. فالتصريح قد يكون قرينة تستوجب التحقيق، لكنه لا يثبت وحده جريمة محددة، ولا يحدد أسماء الفاعلين أو سلسلة الأوامر والمسؤوليات.
مع ذلك، فإن قيمته السياسية لا تقل عن أثره القانوني المحتمل. فهو يعيد سؤال الطرف الثالث إلى النقاش، ويكشف استمرار الصراع على تفسير تشرين: هل كانت حركة إصلاح، أم مؤامرة، أم مزيجاً من المطالب والتدخلات؟ الإجابة لا تُنتجها البيانات المتبادلة، بل تحقيق مستقل يراجع الوقائع، ويستمع إلى الضحايا، ويفحص دور المؤسسات والفصائل.
تحتاج الدولة العراقية إلى رواية تقوم على الوثيقة لا على الغلبة. فتسمية تشرين فتنة قد تعبر عن موقف سياسي، لكنها لا تلغي مطالبها ولا تمحو دماء ضحاياها. كما أن الدفاع عن الاحتجاج لا يستلزم إنكار تعقيداته. المطلوب هو إخراج القضية من المنافسة الخطابية، ووضعها أمام قضاء قادر على تحديد المسؤولية، أياً كان موقع صاحبها، لأن بقاء الحقيقة معلقة يترك الدولة نفسها موضع اتهام.
وتبقى تشرين اختباراً حقيقياً لعلاقة القوى السياسية بالمجتمع. فحين تعترف جهة نافذة بأنها واجهت الحركة دفاعاً عن النظام، فإنها مطالبة بتفسير حدود هذا الدفاع، ومصدر تفويضه، ونتائج استخدامه. ومن دون إجابة موثقة، ستظل العبارة جزءاً من أزمة الثقة التي أنتجت الاحتجاجات أصلاً، لا حلاً لها. ولا يمكن تجاوزها بالانكار او التاجيل المستمر.