لا يظهر ارتفاع الدولار في العراق على شاشات الصيرفة وحدها؛ إذ ينتقل سريعاً إلى مائدة الأسرة، وفاتورة الدواء، وكلفة تشغيل الورشة والمزرعة. وحين تبقى الرواتب والأجور على حالها، يصبح تراجع قيمة الدينار اقتطاعاً فعلياً من القدرة الشرائية، وإن لم يتغير الرقم المكتوب في قسيمة الراتب. ولذلك فإن أي معالجة لأزمة الصرف ينبغي أن تجيب عن سؤال واضح: كيف تُحمى المالية العامة دون أن يتحمل محدودو الدخل العبء الأكبر؟

دخل تعديل سعر الصرف حيز التنفيذ في 7 تشرين الأول 2026. وبحسب كتاب البنك المركزي الذي نقلته وكالة «نينا»، أصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وبيعه إلى المصارف 1510 دنانير، وإلى الجمهور 1520 ديناراً. وهذه أسعار لمعاملات مختلفة، ينبغي التمييز بينها عند تقدير أثر القرار على الموازنة والمواطن.(1)

ولم يُنهِ التعديل الفجوة مع السوق الموازية؛ فقد أوردت شبكة «964»، في 8 تشرين الأول، سعر بيع بلغ 168 ألف دينار لكل مئة دولار في بغداد، أي 1680 ديناراً للدولار، مقابل السعر الرسمي للجمهور البالغ 1520 ديناراً.(2) والفارق، الذي يقارب 10.5 في المئة في تلك القراءة، يبيّن أن تغيير السعر الرسمي وحده لا يضمن توحيد سوق الصرف. وهذه قراءة مؤرخة للسوق، وليست سعراً ثابتاً يصلح لكل يوم أو مدينة.

مكسب مالي وحدود اقتصادية

يمكن فهم الدافع المالي إلى خفض قيمة الدينار: فالدولة تحصل على معظم مواردها النفطية بالدولار، بينما تدفع جانباً كبيراً من نفقاتها المحلية بالدينار. وكلما ارتفع عدد الدنانير المقابلة للدولار، زادت الحصيلة المحلية التي تحصل عليها من تحويل الإيرادات النفطية، عند ثبات مقدارها بالدولار.

لكن هذه الزيادة لا تعني أن العراق صدّر نفطاً أكثر، أو حصل على عملة أجنبية إضافية. إنها تغير في القيمة المحلية للإيراد نفسه. وفي المقابل، ترتفع كلفة المشتريات الحكومية المستوردة، وقد تتصاعد كلفة العقود والمشروعات، فتتقلص بعض الفائدة المالية الأولية. أما المواطن، فيواجه ارتفاعاً محتملاً في الأسعار قبل أن يحصل على أي تعويض.

وقد سبقت الأزمة الراهنة مؤشرات على هشاشة المالية العامة. ففي تقييمه المنشور في تموز 2025، قدّر صندوق النقد الدولي ارتفاع سعر النفط اللازم لموازنة المالية العامة إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقابل 54 دولاراً في 2020.(3) ولا يجوز التعامل مع ذلك التقدير باعتباره حساباً محدثاً لعام 2026؛ لكنه يوضح كيف يجعل توسع الالتزامات المالية الدولة أكثر حساسية لتقلب الموارد النفطية.

كذلك لا يكفي النظر إلى سعر البرميل العالمي. فحصيلة العراق تتوقف على الكميات المصدّرة، وسعر البيع الفعلي، وانتظام التحصيل. وقد لا تعوض الأسعار المرتفعة تراجع الكميات أو تعطل التصدير. ولهذا تحتاج مناقشة الأزمة إلى بيانات معلنة عن الإيرادات المتحققة والالتزامات المستحقة، حتى يمكن تقدير حجم الفجوة واختيار المعالجة المناسبة.

كيف تنتقل الصدمة إلى الأسعار؟

تنتقل صدمة الصرف عبر السلع المستوردة، ثم عبر المواد الأولية والآلات والأدوية والأعلاف وقطع الغيار التي يستخدمها الإنتاج المحلي. ولهذا قد ترتفع كلفة سلعة مصنوعة في العراق أيضاً، إذا كانت بعض مدخلاتها مستوردة. ويضاف إلى ذلك أثر التوقعات؛ فقد يسعّر التاجر بضاعته وفق كلفة استبدالها مستقبلاً، أو يلجأ بعض المتعاملين إلى شراء الدولار خوفاً من انخفاض جديد للدينار، بما يزيد الضغط على السوق.

ومع ذلك، لا يعني ارتفاع الدولار بنسبة معينة ارتفاع جميع الأسعار بالنسبة نفسها. فالأثر يتوقف على حصة المكونات المستوردة، وسعر تمويلها، والمخزون المتاح، والمنافسة، وقدرة المستهلك على الشراء. ومن الضروري التمييز بين زيادة تبررها الكلفة وأخرى تنشأ عن الاحتكار أو استغلال القلق.

وقد تجمع الأزمة بين الغلاء وضعف النشاط الاقتصادي: تنفق الأسرة حصة أكبر من دخلها على الضروريات، فتقل مشترياتها الأخرى، وتتراجع مبيعات المشاريع الصغيرة. ويصبح رفع الأسعار مقترناً بانكماش الطلب، بما يهدد العمل والدخل معاً.

أما القول إن الدينار الأرخص سيشجع الإنتاج المحلي، فهو مشروط بقدرة المنتج على زيادة المعروض. فالمصنع الذي يواجه كهرباء غير مستقرة وتمويلاً مكلفاً ومدخلات مستوردة لن يتحول إلى منافس قوي بمجرد ارتفاع الدولار. وقد يستفيد بعض المنتجين من تغير الأسعار النسبية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى إنتاج يحتاج إلى استثمار وخدمات وسياسة واضحة.

حماية المعيشة جزء من المعالجة

ينبغي أن تبدأ الاستجابة بانتظام السلة الغذائية، وتأمين الدواء الأساسي، وإعانة مؤقتة للأسر الأكثر تضرراً، وبدل غلاء موجّه للرواتب والمعاشات المنخفضة. ويجب أن تشمل الحماية العمال والكسبة خارج الوظائف الحكومية، لأن دخلهم قد يتراجع بالتزامن مع ارتفاع كلفة المعيشة.

والأفضل الجمع بين الدعم العيني والنقدي وفق ظروف السوق. فالغذاء والدواء المتاحان فعلياً يحميان الأسرة عندما تضطرب الأسعار أو الإمدادات، بينما تمنحها الإعانة النقدية مرونة في تلبية احتياجاتها. أما صرف النقود دون ضمان المعروض، فقد يترك جزءاً من فائدتها عرضة للغلاء. ولذلك ينبغي تحديد التمويل والمدة، ومراجعة قيمة المساعدة وفق أسعار الضروريات، وتيسير الوصول إليها دون محاباة.

هذه الحماية تسهم أيضاً في الحد من تراجع الطلب الذي تعتمد عليه المتاجر والورش الصغيرة. لكنها تحتاج إلى تمويل منضبط؛ فالإنفاق الواسع غير المموّل قد يزيد الطلب على الواردات والدولار، ويعيد إنتاج الضغط الذي يفترض أن يعالجه.

عدالة التمويل واستقرار السوق

يبدأ التمويل بإعادة ترتيب النفقات، وتقليص الامتيازات غير المبررة والعقود المتضخمة، وتحسين تحصيل الضرائب من كبار المكلفين. أما الرسوم العامة على الغذاء والدواء والاستهلاك الأساسي، فقد تسترد من الأسر ما تمنحه الدولة لها من مساعدات. والضرائب توفر إيرادات بالدينار، لكنها لا تنتج الدولار تلقائياً؛ لذا ينبغي توجيه حصيلتها إلى حماية المعيشة والخدمات والاستثمارات التي تقلل الاعتماد على الاستيراد.

وفي الكمارك، تتقدم مكافحة التهريب والتلاعب بالفواتير والإعفاءات على زيادة الرسوم عشوائياً. ويتطلب ذلك ربط البيانات بين المنافذ والمصارف والجهات الضريبية، وتنسيق الإجراءات بين السلطات الاتحادية وإقليم كردستان ضمن الأطر القانونية. ويظل استرداد الأموال المنهوبة ضرورة، لكن تمويل الإعانات لا يجوز أن ينتظر أموالاً لم تُسترد، أو أن يعتمد على حصيلة افتراضية.

وبالتوازي، ينبغي تيسير التحويلات للمستوردين الحقيقيين، ونشر متطلبات التمويل ومدده بوضوح، وتشديد التدقيق على الفواتير الوهمية والتحويلات غير المشروعة. فالفجوة بين السعرين تخلق حافزاً للمراجحة، أي الاستفادة من فرق السعر، حين تنفصل الاستفادة من الدولار الرسمي عن تجارة حقيقية يمكن التحقق منها. ويجب أن تكون الرقابة دقيقة، دون أن تتحول إلى عائق يدفع النشاط المشروع نحو السوق الموازية.

ولا تُضبط الأسواق بالأوامر وحدها. فالرقابة الفعالة تواجه التواطؤ والغش وحجب السلع، وتتابع المخزون والكلفة، وتدعم المنافسة. أما فرض أسعار لا تغطي التجهيز فقد يؤدي إلى اختفاء السلع. كما أن استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن سعر لا تسنده سياسة مالية وتجارية متماسكة يؤجل المشكلة ويزيد كلفتها.

الخروج من دورة النفط والاستيراد

المعالجة المستدامة تبدأ من المشاريع التي تخفض كلفة الإنتاج وتوفر العمل: استثمار الغاز المصاحب، وتحسين الكهرباء، وتطوير التخزين والنقل، ودعم الصناعات الغذائية والدوائية، وإدارة المياه بكفاءة. وينبغي ربط الحوافز بنتائج قابلة للقياس في الإنتاج والتشغيل والجودة، حتى لا تصبح دعماً دائماً لاحتكارات محلية.

ومن منظور ماركسي، تكشف الأزمة كيف يمكن توزيع كلفة الاختلال الاقتصادي بصورة غير متكافئة: يستطيع من يمتلك الدولار والأصول حماية جانب من ثروته، بينما يتحمل صاحب الأجر الثابت تراجع دخله الحقيقي. وتكتسب هذه القراءة قيمتها حين تتحول إلى سياسة تعيد توجيه الموارد من المضاربة والامتيازات إلى الإنتاج والخدمات والعمل.

إن نجاح المعالجة يُقاس بقدرتها على تثبيت الأسعار الأساسية، وتقليص الفجوة بين سوقي الصرف، وحماية الدخل، وتحسين الإنتاج. وعلى الحكومة أن تعلن كلفة إجراءاتها ومصادر تمويلها ونتائجها، لأن الموازنة التي تستعيد توازنها على حساب غذاء الناس وعلاجهم تنقل الأزمة من حسابات الدولة إلى بيوت المواطنين. والطريق الأجدى هو حماية المعيشة الآن، وتوزيع الأعباء بعدالة، وبناء اقتصاد أقل تعرضاً لتقلب النفط والدولار.

مصادر الوقائع والأرقام

(1) وكالة الأنباء الوطنية العراقية «نينا»، نقل كتاب البنك المركزي بشأن أسعار الصرف الجديدة، 7 تشرين الأول 2026: https://ninanews.com/website/News/Details?Key=1318764

(2) شبكة «964»، «قائمة بأسعار الدولار في بورصات العراق بعد يوم من رفع السعر الرسمي»، 8 تشرين الأول 2026: https://964media.com/723805/

(3) صندوق النقد الدولي، بيان مشاورات المادة الرابعة مع العراق لعام 2025، 9 تموز 2025: https://www.imf.org/en/news/articles/2025/07/08/pr-25243-iraq-imf-executive-board-concludes-2025-article-iv-consultation

ملاحظة: تستند المعطيات الآنية إلى قرار 7 تشرين الأول وقراءة السوق في 8 تشرين الأول 2026؛