حتميةٌ تُصنَع ولا تُنتظَر: يعلّمنا التاريخ أن الاستبداد، مالياً كان أم سياسياً، لا يدوم فما من منظومة قامت على احتكار الثروة ومصادرة الإرادة إلا وحملت في داخلها بذور تآكلها. غير أن هذه الحتمية ليست قدراً يُنتظَر من مقاعد المتفرجين، بل مسارٌ يصنعه البشر بوعيهم وإرادتهم وتضحياتهم.
والمنظومة التي تحكم العراق منذ عام 2003 ليست حكومةً تسقط بانقلاب أو تتبدل بانتخابات، بل شبكة مصالح متشعبة، محصّنة بـ المحاصصة، تمتد من الوزارات إلى المصارف، ومن اللجان الاقتصادية للأحزاب إلى السلاح المنفلت والمنابر الإعلامية الممولة. ومنظومة بهذا التشعب لا تُفكَّك بضربة خاطفة، بل عبر صيرورة تراكمية بطلها الأول هو الوعي الجمعي. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة كتلة سياسية ضد أخرى فتلك في جوهرها منافسةٌ داخل البيت الواحد على تقاسم الغنيمة. إنها معركة وعي يخوضها الشارع، وفي طليعته الشباب والنخب المدنية المستقلة، لإسقاط الفزاعة الطائفية التي اتخذتها السلطة خط دفاعها الأول عن مكاسبها. ذلك أن هذه المنظومة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بقدرتها على إقناع ضحاياها بأنها حاميتهم.
تشريح المنظومة: حين تصبح الدولة غنيمة وُلدت المحاصصة بوعدٍ يبدو في ظاهره منصفاً ضمان تمثيل المكونات بعد عقود من الإقصاء والتهميش. لكن الوعد سرعان ما انقلب إلى نقيضه فصارت الوزارات إقطاعيات حزبية، والوظيفة العامة مكافأة على الولاء لا على الكفاءة، وتحوّل المنصب من تكليف بخدمة الناس إلى حصة تُحتسب في ميزان الطائفة والقومية.
وجاء الريع النفطي ليرسّخ هذا الانحراف فسلطةٌ تموّل نفسها من باطن الأرض لا تحتاج إلى ضرائب مواطنيها، ومن ثَمّ لا تحتاج إلى رضاهم ولا تخشى مساءلتهم، بل تشتري ولاءهم بالتعيينات والعقود والمنافع. وهكذا لم يعد الفساد انحرافاً عن النظام، بل صار هو النظام نفسه قاعدةً لا استثناء، وآليةً لتوزيع السلطة لا عَرَضاً جانبياً لها. والمفارقة الأعمق أن زعماء المكونات، المتخاصمين على الشاشات، شركاءُ متضامنون في الغرف المغلقة فـ التوافق الذي يُقدَّم على أنه صمام أمان للتعايش، كثيراً ما يتحول في الواقع إلى ميثاق حصانة متبادلة اسكت عن فسادي أسكت عن فسادك. وفي ظل هذه المعادلة تفقد الانتخابات وظيفتها في محاسبة الأداء، وتتحول إلى ما يشبه تعداداً سكانياً للطوائف، يقترع فيه الناخب لهويته لا لبرنامج، ولخوفه لا لمصلحته.
الفزاعة: الخوف بوصفه سياسة لا بد هنا من تمييز دقيق الطائفة انتماء اجتماعي وروحي مشروع، أما الطائفية فاستثمار سياسي في الخوف. والفزاعة، في أصلها، دميةٌ من قشّ تُلبَس ثيابَ إنسان لتُخيف الطيور وتُبعدها عن الحقل لا تملك من القوة إلا ما تمنحها إياه العيون الخائفة. كذلك الخطاب الطائفي يخبو حين تستقر الصفقات، ثم يُستدعى كلما اقترب موسم انتخابي أو ارتفع منسوب الغضب الشعبي، محمّلاً بالرسالة ذاتها الآخر قادم، وجودك مهدد، ونحن وحدنا حماتك. فالخائف لا يسأل عن الحساب، بل عن الحماية، ولهذا كان الخوف أنجع عملة في سوق السياسة. والأدهى أن كل زعيم طائفي يحتاج إلى نظيره في الضفة الأخرى ليبرر وجوده فلو اختفى العدو لفقد الحامي مسوّغ بقائه.
وقد نبّه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في كتابه وعّاظ السلاطين، إلى ذلك التحالف القديم بين من يملك السلطة ومن يمنحها الغطاء الأخلاقي، حين تُوجَّه المواعظ إلى المظلومين ويُترك الظالمون بلا حساب. واليوم يتجدد هذا التحالف في صورة الشحن الطائفي الذي يؤدي وظيفة تخديرية بالغة الدقة إنه يحرف الغضب عن مساره فبدلاً من أن يسأل المواطن أين ذهبت أموال النفط؟ يُدفع إلى السؤال ماذا يدبّر لنا الآخر؟
العدالة الاجتماعية: حصنٌ يحمي ومِعوَلٌ يهدم إن العدالة الاجتماعية هي الحصن الحقيقي الذي يحمي المجتمع من الاستقطاب، والمِعوَل الوحيد القادر على هدم هذه المنظومة لأنها تضرب الطائفية في جذرها الاقتصادي قبل جذرها الخطابي. فالطائفية تتغذى على الندرة حين تشحّ الوظائف والخدمات يغدو كل مكسب لطائفة خسارةً لأخرى، ويتحول الجار إلى منافس على الفتات. وتُكمل الزبائنية الدائرة حين تجعل من الزعيم الطائفي بوابة إلزامية إلى الوظيفة والخدمة والحماية، فيصير الولاء له ضرورة معيشية لا قناعة عقائدية. أما حين تُصان الحقوق بقانون واحد يسري على الجميع، فإن المواطن يصل إلى دولته مباشرة، ويفقد الوسيط وظيفته، وتفقد الفزاعة جمهورها. وبذلك ينتقل السؤال من مَن يأخذ الحصة الأكبر؟ إلى لماذا تُنهب الثروة كلها؟.
وعندما يتجاوز المواطن الخنادق الفرعية والانتماءات الإثنية الضيقة، ويدرك حجم المخاطر الوجودية التي تحيق ببلده، يكتشف أن الفقر والتهميش وتآكل القيمة المعيشية مظالم عابرة للمكونات. فالبصرة التي تصدّر معظم نفط البلاد امتلأت مستشفياتها صيف 2018 بضحايا المياه الملوثة، ونازحو نينوى أمضوا سنوات في المخيمات بعد التحرير، وموظفو إقليم كردستان انتظروا رواتبهم المتأخرة شهراً بعد شهر، وخريجو الناصرية يطرقون أبواب التعيين بلا جدوى. عندها تتجلى الحقيقة البسيطة الفاسد لا يمثل طائفته، بل يمثل مصالحه الشخصية فقط، وأبلغ دليل على ذلك أن فقراء طائفته ليسوا أوفر حظاً من فقراء سائر المكونات.
ولم يولد هذا الإدراك في لحظة واحدة، بل تراكم موجةً بعد موجة من احتجاجات 2011، إلى الحراك المدني عام 2015 الذي رفع شعار باسم الدين باگونا الحرامية، فانتفاضة البصرة عام 2018، وصولاً إلى انتفاضة تشرين عام 2019. وقد حملت الأخيرة دلالة فارقة إذ انطلقت من بغداد ومدن الجنوب، أي من قلب الجمهور الذي ادّعت أحزاب السلطة تمثيله طائفياً، واختزلت مطلبها في كلمتين نريد وطن. كانت تلك لحظة تحوّل البوصلة من الطائفة إلى الوطن. ويحمل هذا الوعي اليوم جيلٌ نشأ بعد 2003، لم يعش المظالم القديمة التي تُستدعى ذاكرتها لتبرير الحاضر، لكنه يعيش كل يوم فشل هذا الحاضر، ويملك في الفضاء الرقمي منابر لا تحتكرها الأحزاب.
ثمن التغيير: المنظومات لا تنتحر غير أن هذا التحول لن يكون مفروشاً بالورود فالقوى المستفيدة من بقاء المنظومة، وامتداداتها الإقليمية والدولية التي تسندها، لن تستسلم بسهولة، وستبذل كل ما أوتيت من قوة وقمع للحفاظ على نفوذها. وقد خبر العراقيون أدواتها رصاص القناصين والاغتيال بكواتم الصوت، وتهم العمالة والتخوين، وشراء الذمم واحتواء الناشطين، وصناعة بدائل مزيفة تتزيّا بثياب الاحتجاج، وإعادة إشعال التوتر الطائفي كلما اقترب الخطر، فضلاً عن إنهاك الناس بلقمة العيش حتى لا يبقى لهم متسع للسياسة.
ومن هنا يبرز درس جوهري الوعي الذي لا يتحول إلى تنظيم يبقى غضباً قابلاً للاحتواء. فالعفوية التي منحت تشرين نقاءها كانت في الوقت نفسه موطن ضعفها، والمنظومات المحصنة لا تُهزم بالضربة القاضية، بل بتراكم النقاط. ولذلك تتطلب المرحلة المقبلة نقل الوعي من الساحات إلى المؤسسات نقابات مستقلة، وأحزاب مدنية ذات برامج واضحة، وإعلام حر، وشبكات رقابة على المال العام. كما تتطلب الحذر من استبدال فزاعة بأخرى؛ فمشروع المواطنة لا يكتمل إلا إذا اتسع حتى لأولئك الذين ما زالوا أسرى الخوف.
ختاماً: حين تحطّ الطيور على كتف الفزاعة وصف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الأزمة بأنها زمنٌ يحتضر فيه القديم ولا يقوى الجديد على أن يولد، فتظهر في الفاصل بينهما أعراض مرضية شتى. وهذا بالضبط ما يعيشه العراق شرعية الخوف الطائفي تتآكل، لكن البديل الوطني لم يكتمل بعد.
لذلك قد يأتي التغيير في مراحله الأولى جزئياً وبطيئاً، وقد يبدو أحياناً متعثراً أو متراجعاً. لكن الرهان يبقى على نمو الوعي الجمعي وتراكمه فالخوف الذي ينكسر في النفوس لا يُرمَّم بسهولة، وجيلٌ رأى الفزاعة عن قرب وعرف أنها قش لن يرتعد منها مرة أخرى. وحين تحطّ الطيور على كتف الفزاعة، تسقط أسطورتها. إن انكسار حاجز الخوف والتبعية هو بداية النهاية الحتمية لعهد الحصانات الفاسدة، وحجر الأساس لدولة المواطنة والعدالة دولةٍ يُعرَّف فيها العراقي بحقوقه وواجباته لا بطائفته، وتكون فيها العدالة الاجتماعية جوهرَ العقد الوطني لا منّةً من الحاكم.
جاكوب شامايا