أعادت المبادرة التي طرحها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، بشأن تعديل دستور عام 2005، فتح النقاش حول حدود الفصل بين السلطات في العراق. ورغم تقديم المبادرة بوصفها معالجة للثغرات الإجرائية التي عطلت تشكيل الحكومات المتعاقبة، فإن توقيتها ومضامينها يعكسان مساراً متقدماً لظاهرة قضمنة السياسة. حيث تنتقل المؤسسة القضائية من موقع تطبيق النصوص وتفسيرها إلى موقع الفاعل المباشر في إعادة صياغة القواعد الدستورية الحاكمة للصراع السياسي.

من الناحية القانونية تتركز المقترحات على تعديل المادة (76) الخاصة بآلية تكليف الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وتعديل المادة (70) المتعلقة باشتراط نصاب ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية. وقد كانت القرارات التفسيرية الصادرة عن القضاء سبباً رئيساً في تكريس هاتين المعضلتين. بدءاً من قرار عام 2010 الذي فتح باب التحالفات اللاحقة للانتخابات لتشكيل الكتلة الأكبر، وصولاً إلى قرار عام 2022 الذي فرض الثلث المعطل كشرط لانعقاد جلسة انتخاب الرئيس. ويسعى المقترح الحالي إلى تثبيت هذه التفسيرات بنصوص دستورية صريحة، متجاوزاً الإشكالية المنصوص عليها في المادة (60) التي حصرت حق اقتراح مشروعات القوانين برئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، إضافة إلى التعقيدات الصارمة للمادتين (126) و(142) اللتين تشترطان موافقة ثلثي البرلمان والاستفتاء الشعبي الذي يمنح ثلاث محافظات حق الفيتو. وعلى الصعيد الدولي تزامن طرح المبادرة مع المحادثات التي أجراها المبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك في بغداد، ولقائه برئيس مجلس القضاء الأعلى. ترتكز المقاربة الأمريكية الحالية على أولوية الاستقرار المؤسساتي، وحصر السلاح بيد الدولة، وضبط التعاملات المالية، وهي أهداف تدفع واشنطن للتعامل مع قيادة القضاء كمركز قرار موثوق وقادر على فرض القرارات الملزمة في بيئة برلمانية مشتتة. وقد وفّر هذا الانفتاح الدبلوماسي غطاءً سياسياً للمؤسسة القضائية للتحرك بثقل أكبر داخل الملفات التشريعية والتنفيذية الحساسة. إقليمياً، تنظر طهران إلى مسألة التعديلات من زاوية حماية النظام السياسي الحالي إذ يمثل استمرار تماسك قوى الإطار التنسيقي وإدارتها للسلطة أولوية استراتيجية لإيران لمنع صعود أي خيارات سياسية مناهضة لنفوذها. من هنا تلتقي مصالح قوى الإطار مع مبادرة زيدان، حيث ترى فيها وسيلة دستورية دائمة لتأمين أغلبيتها النيابية، وقطع الطريق على أي تغييرات انتخابية مستقبلية قد تعيد إنتاج الأزمات أو تهدد هيمنتها على القرار التنفيذي.

في المقابل تثير المبادرة معارضة واسعة لدى أطراف أخرى فالتيار الصدري يرى في تعديل المادتين (70) و(76) محاولة مقصودة لإجهاض مشروعه القائم على حكومة الأغلبية الوطنية، وتحصيناً مبكراً يمنع تكرار سيناريو فوزه الانتخابي لعام 2021. أما القوى الكردية وتحديداً في أربيل فتعتبر تقليص نصاب انتخاب الرئيس إلغاءً لضمانات التوافق والشراكة، ومؤشراً على تقويض المكتسبات الفيدرالية لإقليم كردستان لصالح مركزية تنفيذية وقضائية صارمة في بغداد، وهو ما يثير بدوره مخاوف القوى السنية من تراجع صلاحيات اللامركزية الإدارية في المحافظات.

تثبت هذه المبادرة، وفق القراءة الدستورية والسياسية، أن العراق يتجه نحو إعادة ترتيب مراكز القرار عبر أدوات قانونية، مما يجعل القضاء طرفاً مباشراً في النزاع السياسي العام بدلاً من كونه مرجعاً محايداً للفصل بين المتنازعين.