سعر الصرف بوصفه معركة سياسية في العراق لا يمكن قراءة قرار خفض قيمة الدينار العراقي، الذي دخل حيّز التنفيذ في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وما رافقه من اضطراب في سوق الصرف، بوصفه إجراءً نقدياً تقنياً معزولاً عن سياقه. فهو التغيير الثالث لسعر الصرف الرسمي في ست سنوات، والمعطيات المتراكمة منذ أولها عام 2020 تكشف أن أزمة الدولار في العراق أزمة سياسية في جوهرها، وأن السياسة النقدية تحوّلت عملياً إلى مظلة تحمي كارتيلات الفساد على حساب القوة الشرائية للمواطن.
ومن ثمّ، فإن الخروج من هذه الدوامة لا يبدأ من شاشات التداول وتعليمات البنك المركزي، بل من سؤال سياسي بامتياز: مَن يملك القرار المالي في العراق، ولمصلحة مَن يُدار؟ وهو سؤال يضع البلاد أمام ضرورة حتمية لإعادة صياغة معادلة التغيير الجذري.
أولاً: مفارقة التبرير ومصيدة الإفقار. في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أقرّ مجلس الوزراء، بتوصية طارئة من وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، رفع سعر الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً للجمهور. وقُدّم القرار بوصفه خياراً اضطرارياً فرضه تراجع الإيرادات النفطية، بعدما عطّلت الحرب الإقليمية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز صادرات النفط إذ قدّر رئيس الوزراء خسارة العراق بنحو 60 مليار دولار من عائداته النفطية، فيما تأخرت الرواتب في عدد من المحافظات، وأبلغت وزارة المالية البرلمان بعجزها عن تمويل الموازنة من دون هذا التعديل.
ولهذه الحجج وجاهتها النظرية في أدبيات اقتصاد الأزمات؛ فكل دولار نفطي بات يُحوَّل إلى 1500 دينار بدلاً من 1300، ما يوفّر للخزينة سيولة إضافية لتمويل الرواتب. لكن المفارقة أن المبررات ذاتها سيقت في كانون الأول/ديسمبر 2020، حين رُفع السعر من 1182 إلى 1450 ديناراً إثر انهيار أسعار النفط. والنتيجة واحدة في المرتين مكسب محاسبي للخزينة يُقتطع من جيوب أصحاب الدخل المحدود، في صورة ضريبة غير معلنة اسمها التضخم.
فالاقتصاد العراقي ريعي بالدرجة الأولى إذ يموّل النفط أكثر من 90% من الموازنة، فيما يُستورد معظم الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية. وفي اقتصاد كهذا لا يُنعش خفضُ العملة إنتاجاً محلياً يعاني اختناقات بنيوية، كما يَعِد البنك المركزي، بل يترجم نفسه فوراً إلى غلاء في أسعار السلع الأساسية.
ولا يتوزع العبء بعدالة فراتب المليون دينار، الذي كان يعادل نحو 757 دولاراً بالسعر الرسمي السابق، بات يعادل نحو 658 دولاراً بين ليلة وضحاها، فيما يحمي مالكو الدولار والعقار ثرواتهم، بل ترتفع قيمتها بالدينار. وهكذا يتحول القرار إلى هندسة إفقار حقيقية رواتب جامدة بالدينار، وأسعار تلاحق الدولار صعوداً، وطبقات هشة تدفع وحدها كلفة أزمات لم تصنعها.
ثانياً: اقتصاد الفجوة وعقلية الالتفاف. في الجهة المقابلة من المعادلة، ثمة رابحون دائمون. فقد تحوّلت «نافذة بيع العملة» في البنك المركزي، ومعها منافذ مالية أخرى، إلى قنوات لتسريب العملة الصعبة وجني أرباح طائلة من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي؛ فمن يحصل على الدولار بالسعر الرسمي ويبيعه في السوق الموازية يجني ربحاً مضموناً بلا أي نشاط إنتاجي. ويتضح حجم هذا الريع إذا عرفنا أن مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية بلغت نحو 81 مليار دولار في عام 2024 وحده.
ولم تُغلَق هذه الفجوة يوماً، لا بعد رفع قيمة الدينار في شباط/فبراير 2023، ولا بعد خفضها مجدداً. فطوال 2026 واصل الدولار صعوده في السوق الموازية، ونفى البنك المركزي في حزيران/يونيو قطعياً أي نية لتغيير سعر الصرف، واصفاً وثيقة متداولة تقترح 1600 دينار بأنها مزوّرة، ثم جاء التعديل بعد أقل من أربعة أشهر. وفي يوم سريان السعر الجديد نفسه بلغ الدولار في بورصة بغداد 1685 ديناراً، أي أعلى من السعر الرسمي الجديد بنحو 165 ديناراً. إنها أزمة ثقة لا تبددها البيانات الرسمية.
والأخطر أن النظام المالي بات يُدار بعقلية الالتفاف المستمر؛ فكلما أُغلقت ثغرة فُتحت أخرى. فقد ظلت الفواتير المزوّرة لشركات واجهة تستورد على الورق من أبرز وسائل تسريب الدولار عبر النافذة، حتى فرض الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك والخزانة الأمريكية أواخر 2022 ضوابط مشددة على الحوالات عبر منصة إلكترونية. عندها انتقلت الشبكات إلى قنوات أخرى تهريب الدولار النقدي عبر الحدود، وبطاقات الدفع المسبق التي يُسحب بها الدولار من أجهزة الصراف في الخارج بالسعر الرسمي، ليُعاد بيعه في الداخل بالسعر الموازي.
وحتى انتقال الحوالات منذ مطلع 2025 إلى المصارف المراسلة لم يُنهِ الظاهرة؛ لأن العلة لم تكن يوماً في الأداة، بل في الأيدي التي تمسك بها.
ثالثاً: فساد محصّن بالمحاصصة. يعود عجز الإجراءات التقنية والأمنية عن ضبط سوق الصرف إلى سبب بنيوي فكثير من المصارف الأهلية وشركات الصيرفة المهيمنة على حركة الكتلة النقدية ليست مؤسسات مالية مستقلة، بل أذرع استثمارية لأحزاب وقوى سياسية وفصائل متنفذة داخل منظومة المحاصصة. وتكتمل الحلقة حين تتقاطع ملكية هذه المؤسسات مع مواقع القرار في البرلمان والحكومة والهيئات الرقابية، فيصبح المراقِب والمراقَب طرفاً واحداً، وتتحول القوانين إلى دروع بدلاً من أن تكون أدوات محاسبة.
وتكفي الوقائع للدلالة على حجم الخلل. فتحت ضغط أمريكي، مُنع 14 مصرفاً عراقياً من التعامل بالدولار في تموز/يوليو 2023، ثم 8 مصارف أخرى في شباط/فبراير 2024، و5 مصارف إضافية في شباط/فبراير 2025، بسبب شبهات احتيال وغسل أموال وتهريب للعملة. كما طلبت وزارة الخزانة الأمريكية إيقاف أكثر من 200 ألف بطاقة دفع قالت إن عناصر في فصائل مسلحة استخدمتها. ومع ذلك ظلت تلك المصارف تعمل بعملات أخرى، ولم تُعلَن محاسبة قضائية جادة تطال مالكيها الفعليين.
إن هذا التشابك بين المال والسلطة والسلاح يمنح (حيتان الفساد) حصانة سياسية وقانونية تحميهم من المساءلة، ويُفرغ أي مسعى لأتمتة النظام المصرفي من مضمونه. وعليه، يغدو أي حديث عن إصلاح مالي لا يقترن بتغيير سياسي جذري يرفع الغطاء عن هذه الرؤوس مجرد مسكّنات مؤقتة. فالإصلاح الحقيقي يتطلب تفكيك الكارتيلات المصلحية، وضمان استقلال القضاء والبنك المركزي فعلاً لا شكلاً، وتفعيل مبدأ (من أين لك هذا؟) لتتبّع ثروات المضاربة غير المشروعة ومصادرتها.
رابعاً: حتمية المواجهة الشاملة وأدوات التغيير. أمام منظومة متجذرة تمتلك المال والسلاح والنفوذ، أثبتت التجربة أن الرهان على تصحيح ذاتي من داخلها رهان خاسر فالمستفيد من الخلل لن يكون أداة إصلاحه.
وفي الوقت ذاته، تجاوز الوعي الشعبي العراقي مرحلة الانخداع بالشعارات الطائفية والسياسية، وبات يربط بوضوح بين الفساد البنيوي ولقمة عيشه اليومية. وقد عبّرت عن ذلك احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 بشعارها العابر للطوائف (نريد وطن)، ودفع شبابها ثمناً باهظاً، إذ قُتل منهم المئات، لكنها رسّخت في الوعي العام معادلة جديدة لا إصلاح اقتصادياً من دون تغيير سياسي. إن فرض التغيير، وجعل كلفة استمرار الفساد أعلى من كلفة التنازل عنه، يتطلبان استراتيجية مواجهة شاملة تقوم على ثلاث مسارات متكاملة:-
1- التنظيم السياسي المستقل: لتحويل الغضب الشعبي من طاقة احتجاجية متقطعة إلى برامج إصلاحية وبدائل منظمة، قادرة على المنافسة الانتخابية وقيادة مؤسسات الدولة وإصلاح التشريعات المالية والمصرفية.
2- الاحتجاج السلمي المنظم: بوصفه أداة ضغط ميدانية مستمرة تمنع السلطة من الركون إلى استقرار زائف، على أن يحمل مطالب محددة قابلة للقياس، كالكشف عن المستفيدين الفعليين من المصارف الممنوعة من التعامل بالدولار ومحاسبتهم.
3- المقاطعة الاقتصادية: بوصفها أداة مقاومة مدنية تستهدف تجفيف المنابع المالية للمصارف والمؤسسات التابعة لمراكز النفوذ، عبر الامتناع عن التعامل معها ونقل الودائع والمعاملات إلى مؤسسات أكثر شفافية، بما يُضعف قدرتها على المناورة.
ولا تكتسب هذه المسارات فاعليتها إلا مجتمعة فالتنظيم بلا ضغط شعبي يبقى بلا أنياب، والاحتجاج بلا تنظيم ينطفئ سريعاً، والمقاطعة بلا وعي جماعي تظل مبادرات فردية محدودة الأثر.
ختاماً: إن معركة الدينار والدولار في العراق هي، قبل كل شيء، معركة استرداد الدولة. ولن يخرج العراق من هذه الحلقة المفرغة بإجراءات ترقيعية تتبدّل مع كل أزمة، بل بتكامل الوعي الشعبي مع الضغط النخبوي، وتوظيف أدوات التغيير السياسي والمدني كافة لكسر الحصانات. وهي معركة طويلة ومكلفة، لكن كلفتها، مهما ارتفعت، تبقى أدنى من كلفة الاستسلام لاقتصاد يُدار لمصلحة القلة.
فالغاية ليست تثبيت رقم على شاشة البنك المركزي، بل بناء اقتصاد حقيقي يقوم على تنويع الإنتاج ودعم المنتج المحلي، وتحرير القرار النقدي من هيمنة السلاح والسياسة. وما لم يُستعَد هذا القرار من قبضة الكارتيلات، فسيظل سعر الصرف في العراق مرآةً لميزان القوى، لا لميزان المدفوعات.