
غداً، الخامس والعشرون من تشرين الأول 2026، تعود أصوات تشرين إلى الشارع العراقي. وقد لا تكون الحشود هي ذاتها، ولا الوجوه ذاتها، ولا الظروف ذاتها. بعض الذين وقفوا في ساحات بغداد والناصرية والنجف وكربلاء والبصرة عام 2019 رحلوا إلى الأبد، وبعضهم هاجر، وبعضهم أنهكه الانتظار، وبعضهم اختار الصمت، ولكن شعار "نريد وطن" بقي في القلوب وعلى الافواه.
والوطن الذي طالب به المتظاهرون ليس المرسوم على الخرائط، ولا الوطن الذي تتغنى به الخطب في المناسبات، بل الوطن الذي يشعر فيه الإنسان أن الدولة تحميه، وأن القانون لا يسأل عن دينه وطائفته، وأن الوظيفة لا تحتاج إلى واسطة، وأن الثروة العامة ليست غنيمة، وأن صوته لا يصبح جريمة حين يَعترض.
لم تكن خطورة تشرين في عدد المتظاهرين، بل كانت خطورتها في أنها حاولت كسر القاعدة التي قامت عليها اللعبة السياسية رافعة شعار المواطنة ضد الهوية الطائفية، كرد على القوى التي عاشت طويلاً على تقسيم المجتمع.
لم يقل شباب تشرين إنهم يريدون وظيفة فقط، أو شارعاً معبداً، أو كهرباء أفضل. كانوا يقولون إنهم يريدون وطناً يشعر فيه المواطن بأن الدولة ملك له، لا غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.
بدأت احتجاجات تشرين في الأول من تشرين الأول 2019، ثم عادت بزخم أكبر في الخامس والعشرين منه. ومع اتساع الاحتجاجات، تجاوزت المطالب قضية الوظائف والخدمات لتصل إلى جوهر النظام السياسي نفسه: رفض المحاصصة، ومكافحة الفساد، وبناء دولة المواطنة، وتطبيق العدالة الاجتماعية، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة القرار الوطني بعيداً عن التدخلات الخارجية. وفي خضم التظاهرات ولد أحد أشهر شعارات تشرين "نريد وطن".
واجه المتظاهرون العنف والقتل والاختطاف والاعتقال، وسقط أكثر من 800 شهيد وآلاف الجرحى ومئات المعتقلين. ووثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان انتهاكات واسعة خلال الاحتجاجات. وتشير تقارير حقوقية إلى أن العدالة والمساءلة عن قتل المتظاهرين والانتهاكات التي تعرضوا لها بقيت، بعد سنوات، من أبرز الملفات غير المحسومة. وبقي الإفلات من العقاب هو الطابع الساري على تلك الملفات.
هؤلاء الشباب في عمر كان يفترض أن يكونوا فيه منشغلين بالجامعة، بالعمل، بالحب، بمشاريع الزواج، بالسفر، وبكل تلك الأحلام الصغيرة التي تصنع حياة الإنسان. لكنهم وجدوا أنفسهم في ساحة التحرير يسألون عن أشياء كان ينبغي ألا يضطر مواطن إلى السؤال عنها أصلاً: وظيفة، كرامة، قانون، دولة، ووطن.
واليوم تعود تشرين إلى الشارع… لأن أسبابها لم تغادر العراق، فقد مرّت سبع سنوات، لكن كثيراً من الأسئلة التي أخرجت الشباب عام 2019 ما زالت مطروحة في عام 2026.
ولهذا، عندما يعود الناس غداً إلى ساحة التحرير وساحات المدن العراقية، فإنهم لا يعودون إلى يوم من عام 2019 فحسب، إنهم يعودون إلى وعدٍ لم يكتمل، وإلى دماء لم تحصل على العدالة، وإلى أحلام لم تتحقق بعد، وإلى وطن ما زال كثير من أبنائه يبحثون عنه داخل وطنهم.
واليوم تعود تشرين، ليس لأنها تحنّ إلى الماضي، بل لأن المستقبل الذي خرجت من أجله لم يصل بعد.
24 تشرين الأول 2026
الاتحاد الديمقراطي العراقي في الولايات المتحدة الامريكية