ليس كل من لم يكمل تعليمه يطوي دفاتره، فبعضهم يفتح كتاب الحياة من جهته الأعمق، ويكتب فيه بلغة الدأب والمكابدة. هكذا هو الباحث عماد الحاج حسن، ابن الحلة، الذي وُلد في أول أيام تموز من عام 1956، وترك مقاعد الدراسة مبكرًا ليجلس إلى مقاعد المعرفة الأرحب: الكتب، والتأمل، والكتابة في الظلال.

قد لا تشي سيرة عماد الحاج حسن بتعليم أكاديمي عالٍ، لكنها تفصح عن علو في الهمة، واعتناق لرسالة البحث والكتابة بإيمان العارف لا استعراض المتعلم. ومن تلك الزاوية الفريدة، راح ينقّب في باطن الأشياء، لا ليجمع معلومات منسية، بل ليبعث فيها روحًا جديدة، فتغدو جزءًا من سؤال الإنسان وقلقه ومعناه.

ما بين الحجر والكتاب: سبر الغائب في الحاضر

لعله من القلة الذين مزجوا بين علوم القرآن الكريم وعلوم الأحجار الكريمة، دون أن يقع في غواية الغرابة أو التوفيق القسري. فكتابه المنشور آراء ومفاهيم من علوم القرآن الكريم ليس تقليديًا في طروحاته، بل يفتح نوافذ تأويلية تتقاطع فيها الفلسفة والتصوف والمعرفة اللغوية. أما كتابه الذي ينتظر النور بهجة الأنظار في حقائق الأحجار، فليس مجرد عرض لخصائص الأحجار الثمينة، بل هو مشروع تأملي في "الأثر الروحي والجمالي" لها، كما وصفه بعض المهتمين، حيث تتجاور المعلومة العلمية مع البعد الرمزي في قراءة تكوينات الطبيعة.

وقد نشرت مجلة التراث الشعبي ثلاثة بحوث له في هذا السياق، لم تأت على هيئة مقالات وصفية، بل حملت رؤية تنفتح على العلاقة الغامضة بين الإنسان والحجر، وتوق الإنسان القديم لارتداء معانٍ لا تُرى، لكنها تُشعر وتُلمس.

في مسارب الذاكرة الحلية: رصد للمنقرض والمتحول

يتّسم عماد الحاج حسن بشغف توثيقي لا يغرق في التفاصيل، بل يستنطقها. ففي مؤلفه المخطوط المهن الثابتة والمنقرضة والمتحولة في مدينة الحلة، يرسم بانوراما اجتماعية عميقة، ليست للماضي فقط، بل لتحولات الحاضر في ضوء جذوره. أما في بحثه طوائف رحلت من الحلة: طائفة اليهود، فهو لا يكتب تأريخًا سرديًا، بل يحاول استعادة نسيج اجتماعي تمزّق، ليذكّر القارئ بأن الذاكرة الجمعية تُفقد بصمت حين لا يُكتب عنها.

الموت، من المنظور الأعلى

الانشغال بالموت ليس هروبًا من الحياة، بل اقتحام لها من أقصى جهاتها. وقد عالج عماد الحاج حسن هذا الموضوع في ثلاثة بحوث نُشرت في جريدة الجنائن  الحلية، تناول فيها الموت من منظور قرآني، وفلسفي، وصوفي، كاشفًا عن قدرة على التنقل بين الخطابات دون أن يذوب في أحدها. وقد أثنى بعض النقاد على هذه المعالجات، معتبرين إياها "خطوة تأملية عميقة في وادي المفاهيم الكبرى، بأسلوب بسيط لكنه نافذ".

تفكيك الأسطورة بالبحث: عصا موسى مثالاً

في مشاركته البحثية في البيت الثقافي البابلي، قدّم عماد الحاج حسن بحثًا بعنوان الشفرات الجيولوجية والمثالية لعصا موسى الكليم عليه السلام، وقد قوبل بتقدير خاص، لما فيه من محاولة للاقتراب من النص الديني عبر بوابة علم الأرض، وكأنّه يحاول أن يسبر المعجزة من تحت جلدها، لا من شكلها الخارجي، جامعًا بين العين الباحثة والعقل المؤمن بالسؤال.

ومضة من الشعر في طريق الباحث

على الرغم من أنّ انشغاله الأساسي ظل في البحث، إلا أن له نصًا شعريًا نُشر في مجلة الإتحاف التونسية، يشير إلى حس لغوي شفيف، وربما إلى شعور داخلي بأن بعض المعاني لا تُقال بالتحليل، بل بالنبض.

رأي النقاد: صوت هادئ يُنصت إليه

يرى النقاد الذين تابعوا نتاج عماد الحاج حسن أن تجربته تمثل صوتًا خاصًا، لا يُقحم نفسه في سجالات الفكر أو الأيديولوجيا، بل ينحت مساره بخطى صامتة، عميقة. هو كاتب الظلال، الباحث عن الخيط الخفي في المألوف، المولع باستخلاص المعاني من بقايا الذاكرة الجمعية.

وعماد الحاج حسن يمثل "نموذج المثقف الحيّ"، الذي لم تمنعه ظروفه من أن يكون فاعلًا في حقل الثقافة، حتى دون أن يحمل لقبًا أكاديميًا. وقدرته على النشر في مجلات وصحف عراقية وعربية، وعضويته في اتحاد أدباء وكتاب بابل منذ 2008، يؤكدان مكانته كصوت محترم في المشهد الثقافي المحلي.

كتابة ضد النسيان

ليست مؤلفات عماد الحاج حسن كثيرة، لكنها ضرورية. فهي تشبه النقوش القديمة التي تكشف عن عمق الحضارات من خلال فتات الحجر، لا من خلال القصور. إنه رجل يُعيد الاعتبار إلى الهامشي، والمنقرض، والمنسي، ليصنع منها إشارات هادية في زمن ينسى كثيرًا ويكتب قليلاً. وفي زمن يسكنه الضجيج، يبدو صوته الهادئ بمثابة تأمل طويل في وجه الأشياء... ومناجاة صامتة بين الباحث والمعنى.