وفي جوف الليل لم تنم . فقد  تأخر موعده .  أستيقظ  خوفها  مجددا

لم تسأل كثيرا . حينها  تصبح   اكثر انصاتا للصمت . تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل  الدعاء  حيث تُختبر القلوب  بالصبر. لم  تنتظر عودته متأخرا  فحسب . بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد .

كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف . تجلس قرب النافذة ، تراقب الطريق الذي  حفظ خطاه  . وتؤمن ان قلب الأم   لا يخطئ الاتجاه  .  والا  ستبذل جهدا ضائعا .

حين يطول الغياب مقامه ، تعرف  ان طريقا آخر  للحب وللأمومة  ، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته  .

 اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية  الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه  . غدت أيامها  بلا تواريخ  . وكانت تعد   المساءات .وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها .  استبد بها اضطراب شديد . أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة   . وتهمس مع نفسها ـ :  ربما مرض  دون علمي . أو ربما أصابه عارض سيء  . لو كان أبوه  حيا  لبحث عنه ولما بقي صامتا   كما فعلت  .

أخذت  تؤنب نفسها  بشدة . ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة .  ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي . ؟؟

قالوا لها :  الحدود العراقية ـ الأردنية ( أج ـ 3 )  بعيدة  جدا

 قالت في سرها : البعيد هو  ان لا أراه . !!  وان لا أتقصى حقيقة غيابه  .

شدت عباءتها ، وحملت اسمه فقط .وبعضا من متاع الطريق .

ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين .

شعرت  ان ساقيها  أصابهما الوهن  ولا يقويان على حملها لكن إرادتها  تدفعها  لمواصلة  الطريق  نحو ولدها  .الذي مازال فتيا .

 وعند الساعة الخامسة فجرا  كانت  تقف ـ أم كامل ـ  شامخة في مرآب العاصمة بغداد  قادمة من مدينتها .  تتلفع بعباءتها  وتعتمر برأسها ( العصّابة )  وتضع  فوقها ( الشيلة )     تتقدم نحو أحد  الجنود لتسأله عن   السيارات  المتجهة  الى مقر سرية ولدها  . اندهش الجندي عما تسأل عنه  وأجابها . أنه ذاهب الى هناك ولكن   لماذا تسألين .؟؟  .

 قالت : أريد الذهاب معكم .!!

ضحك الجندي  ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته  .

 وقال  :  أ تمزحين يا أمي .؟؟  ثم  تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله . وهل ما سمعه حقيقة . !!

قالت : لا أمزح . ولكن  ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على  السفر اليه .!!  وان كانت سيارتكم لا تكفي  لا مانع ان أجلس على أرضيتها .

قال :   لا توجد سيارات غير هذه   ( الايفا )  المتعبة لنا . فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك  . عودي لدارك  .

وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك .

قالت : لن أتراجع عن مهمتي .

قال  :   سترين الله بهذه الرحلة .!!

قالت :   وأنا أريد ان أراه .!!

في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة  في فصل الخريف  والطريق يشبه  قلقها وارباكها  وهي ممسكة بحلمها في اللقاء  . وكلما اقتربت من المعسكر ، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها  وصبرها .

تنفخ  فوق  أصابعها المتجمدة  لتتقي برد شباط . تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع   كم بقي من المسافة .  لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما  تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة . تفاجأهم  تنهداتها  لتقطع حبل أفكارهم  . وهنا تترقرق  دموعهم في محاجرها  .

عند البوابة ،  لم تسأل عن  القوانين . وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة  حيرى . وهي  تبحث عنه . علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب . فربما لأول مرة تحضر  امرأة مسنة  لهذه الصحراء القاحلة  .!!

قالت بصرامة  وثبات لم تتعلمهما  الا من أمومتها : جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد .

انبهر الجميع لصلابتها  وقوة عزمها . بالرغم من  ضعف جسدها

وارتعاش  يديها وبحة صوتها  / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها / .

كان حنانها ينتشر في القاعة  كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم  ورودا . هكذا كان رأي  أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها .

قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته ، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان .  هناك خلف القضبان كان ولدها  . وفي تلك اللحظة  

لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها  المدلل  . وقفت أمامه  بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب . وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها  تنذر باقتلاع المبنى الرطب .

لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة . وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية .

ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته  .  عالم لا يبث الطمأنينة في  الروح  . عالم تحكمه قوانين صارمة . أطرق الضابط رأسه .

نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه . وأخذ يتساءل  من هذه المرأة . ؟؟

ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض  . اضطربت عيناه . وكاد ان يقع مغشيا عليه . لم يفهم ماذا حدث . أخذ يفرك عينيه ويتساءل :     هل هذا وجه أمي  ؟؟ . أو  كنت في لحظة من حلم .

 .وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع . شعر ولدها بضيق في بلعومه . انه يلهث كأنه  لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه  .

ثم قال   : سامحيني  . أتعبتك . قالها  وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه . لهذا  المشهد الغريب .

قالت  : رؤيتك نفضت عني غبار الرحلة  ، حتى عاد للنفس صفاؤها ونسي الجسد وعثاء  الطريق  وهنا بدأ دفء الروح .

انتقلت نظراته الى  جموع  رفاقه   وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج  غير منقطع  . وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة  . والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة .

في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على  الحدود . بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها  وحيدا خلف القضبان .أكثر من تلك الأيام  .

عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع   في تلك الصحراء الموحشة  .

 لكنها تعرف تماما  ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العصابة ... قطعة من  الحرير الأسود  يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة . ترتديها  بعض النسوة  المسنات  .

الشيلة ...قطعة  من  الجرجيت الاسود  توضع فوق العصّابة .