12-01-2026
في يومٍ ربيعيٍّ من أيام آذار، كانت الغيوم تغطّي شمس النهار حينًا وتتركها حينًا آخر، كأن الشمس والغيوم تلعبان لعبة التخفي بينهما، بينما تتساقط قطرات مطرٍ خفيفة على فترات متقطعة
كان يعتاد يوميًا الذهاب إلى مركز المدينة التي يعيش فيها، والتي لا تبعد أكثر من خمس عشرة دقيقة، ثم يعود بالحافلة إلى بيته
قال لنفسه
لستُ بحاجة إلى مظلة
وصل إلى موقف الحافلة المتجهة إلى مركز المدينة، وبدأ رذاذ المطر يتساقط. سقطت قطرة كبيرة على خده، فابتسم وقال في نفسه
لا بأس، لم يبقَ الكثير لأصل
تجول قليلًا، دقائق معدودة لقتل الوقت، ثم قرر العودة إلى البيت. لكن المطر اشتد فجأة
ذهب إلى موقف الحافلة، فلم يجد أحدًا سوى امرأة واحدة، تحمل كيسين وكرتونة عليها صورة جهاز لتحضير القهوة. تأخرت الحافلة، وأصبح المطر غزيرًا
بدأت المرأة تتململ وقالت
— بيتي قريب، لا يتجاوز خمس إلى عشر دقائق
سألها
— هل ترغبين أن أساعدك ونذهب مشيًا ما دام قريبًا؟
أجابت بابتسامة
— نعم، أتمنى ذلك… هذا لطف منك
حمل كرتونة جهاز القهوة وأحد الأكياس، وسارا معًا. كانت خطواتهما سريعة، تسبقها ضحكاتهما، كأنهما يلعبان لعبة جميلة تحت المطر
كان يرتدي قميصًا رماديًا نصف كم وبنطلون أسود، وكانت ترتدي قميصًا أبيض شفافًا وتنورة حمراء. كانا يضحكان، ينظران إلى بعضهما، ويلعنان الحافلة الغائبة
سألها
— أين بيتك؟
أشارت بيدها قائلة
— هناك… البيت الأبيض
قال
— قريب جدًا
وصلا قرب المنزل، فقالت
— توقف هنا، سأعود حالًا
أخذت الكرتونة والكيس، ولا تزال الضحكات تتبادل بينهما، ونظرات خجولة إلى الأجساد المبتلة التي كشفتها الملابس. عادت مسرعة تحمل مظلة ومنشفة صغيرة
قالت
— خذهما
قال مترددًا
— وكيف أعيد المظلة لكِ؟
أجابت
— سأتي معك وأرجع بها
ابتسم وقال
— فكرة جيدة
سألته
— ما اسمك؟
— رعد. وأنتِ؟
— ندى
وصلا إلى بيته الذي لم يكن بعيدًا. سألها
— هل أستطيع دعوتك لشرب الشاي؟
دخلت البيت، فاعتذر لها عن تراكم الأشياء والأوراق وبعثرتها، وعن السرير غير المرتب
قالت
— هل تعيش وحدك هنا؟
قال مبتسمًا
— نعم، أنا صديق دائم للوحدة
قالت
— لا بأس، سأرتب كل شيء ريثما تحضّر الشاي
شعر بالخجل قليلًا، وقال في نفسه
أشهد أن امرأة أتقنت «اللعبة» معي، كما قال نزار قباني
رتبت المكان، وشربا الشاي، فتسلل الدفء إلى قلبيهما
ثم غادرت
قال لها قبل أن ترحل
— كيف ألتقيك مرة أخرى؟
ابتسمت وقالت
— سأتيك في كل مرة… عندما يأتي المطر