حين يُكتب عن محيي المسعودي، فإننا لا نتحدث عن كاتب اعتيادي ولا عن باحث مرّ عابرًا في دروب الثقافة العراقية والعربية، بل عن مثقف موسوعي حمل الكلمة في زمن التصحّر، وجعل من الحبر سلاحًا ومن القصيدة جسرًا يربط القرى الجائعة بالحلم المكسور. هو ابن الكفل، ناحية منسية على حوافّ بابل، لكنه لم يكن منسيًا في مسيرة الأدب والصحافة والنقد، بل كان واحدًا من أولئك الذين كتبوا على الحواف، وأعادوا تشكيل المركز بنصوصهم وتجاربهم.
وُلد محي حمزة حساني الطفيلي – الذي اختار لنفسه لاحقًا اسم محيي المسعودي – في 28 آذار 1959، فشهد العراق في أوج اضطرابه، وعاش تحوّلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، لا من مقعد المراقبة فحسب، بل من خندق المواجهة. تعلّم في مدارس الكفل، والتحق بالمعهد الفني – قسم الإدارة، وتخرج عام 1983، لكنه ما لبث أن انحاز للكلمة، وجعلها مهنته وسيرته ومصيره.
كاتبٌ يتكئ على شجرة متعددة الجذور
يكتب محيي المسعودي كمن يحمل إرث أجيال من الحكايا والمواجع، وكمن يتنفس من رئة الريف العراقي المحاصر بالخذلان. من يقرأ روايته "لعنة المخطوطة" يدرك أنه لا يكتب ليحكي فقط، بل ليكشف، ليفضح، ليقاوم. ومن يتأمل مجموعته "صراط على الجحيم"، يشعر كأنه يمرّ عبر نفق من اللهب، لا تضيئه إلا اللغة. أما في قصائد الأطفال مثل "أجري أجري تحت المطر"، فثمة رقة الأبوة، وصفاء الذهن، ومخيلة لا تزال تؤمن بأن العصافير لا تُحبس طويلًا.
بين الكتابة للكبار والصغار، بين الصحافة والنقد، بين المسرح وأدب المرأة، يوزّع المسعودي جهده مثل نهرٍ له أكثر من فرع، لكنه لا يضيع في هذا التعدد، بل يتفرّد فيه، ويصنع منه غنىً ثقافيًا قلّ نظيره. وهذا ما أكده عدد من النقاد الذين تناولوا تجربته بوصفها مثالًا على "التكامل الثقافي"، حيث يتجاور الأدبي مع الصحفي، والشعري مع التحقيقي، والوجداني مع التحليلي.
سيرته مرآةٌ لتقاطع الأدوار
لم يكن محيي المسعودي مجرد كاتب منعزل في برجه العاجي، بل كان حاضرًا في الميدان. اشتغل في الصحافة العراقية والعربية لثلاثة عقود، وكتب في عشرات الصحف والمجلات من بغداد إلى عمّان، من "الأسواق" إلى "العرب اليوم"، ومن "المدى" إلى "الصباح" و"المثقف" و"الحوار المتمدن". لم يتوقف عن العطاء، فكان صحفيًا، وناقدًا، وكاتبًا مسرحيًا، وباحثًا في الإعلام، ومستشارًا ثقافيًا، ومؤسسًا للعديد من المجموعات والاتحادات، منها مجموعة "جنى" للثقافة في الأردن، واتحاد كتاب الإنترنت العراقيين.
وهو في كل هذه المناشط ظل يكتب كمن يحمل قدرًا، لا مهنة. ينشر تقاريره الصحفية كما لو أنها بيانات في وجه الظلم، ويكتب عن المرأة لا كزينة ثقافية، بل كجوهر مغيّب ينبغي استعادته. ويؤرّخ لثقافة الطفل لا بوصفها ترفًا بل باعتبارها الأرض الخصبة لأي نهضة ممكنة.
لقد آمن المسعودي بأن "الثقافة مسؤولية"، وأن المثقف ليس شاهدًا على زمنه، بل فاعل فيه. ولهذا لم يسلم من المضايقات، من الملاحقة والتضييق، من التحقيق والفصل، وكان أبرزها إحالته إلى التحقيق من مجلس محافظة بابل في عام 2010، بعد أن كشف في تقرير صحفي ملف فساد فيه. كانت تلك لحظة مفصلية أظهرت حقيقة مبدع يكتب دون حسابات، ويواجه دون أقنعة.
قلمٌ بلا سقف... ونقد لا يجامل
يرى النقاد في تجربة محيي المسعودي مثالًا حيويًا على التداخل الإبداعي بين الأنواع الأدبية، فهو في القصة يمارس شعرية عالية، وفي الشعر لا يتخلى عن سرده العميق، وفي النقد يكتب بلغة أدبية مكثفة تجذب القارئ العام دون أن تفرّط بالدقة. يشيد بعضهم بجُرأته، وبتلك الشجاعة في اقتحام المسكوت عنه، سواء في السياسة أو الدين أو حتى في الأوساط الثقافية ذاتها.
منهم من قارن تجربته بتجارب كتّاب عرب كبار اشتغلوا في أكثر من ميدان، لكن المسعودي لا يقلّد أحدًا، بل يسير في خطه الخاص، يكتب بأسلوبه الخاص، ويصوغ رؤيته كما لو كانت خريطة ذات، لا تُنسخ ولا تُعاد.
بين العصافير والحرائق... كان الحبر وطنه
ربما كانت قصائد الأطفال التي كتبها – ومنها "أغنيات عصافير داخل قفص" – اختزالًا شاعريًا لمسيرته كلها. هو العصفور الذي ظل يغني رغم القفص. رجل أدمن الهذيان، نعم، لكنه الهذيان الجميل، الهذيان الذي يصنع لغة بديلة للحياة، حين تضيق الحياة. لم يسعَ إلى الجوائز، لكنها أتت إليه: جائزة ثقافة الطفل العربي في الإمارات (2001)، وجائزة أدب الطفل من السويد (2009)، وترشيحات عدة لجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، تكريمًا لمقالاته الشجاعة.
وفي زمن تغيّر فيه طعم الحبر، وانكفأ كثير من المثقفين، ظل محيي المسعودي يمضي في خطّه: يكتب، ينشر، يؤرّخ، ينتقد، يقرأ الواقع ولا يُهادنه، يطرح أسئلة لا تريح أحدًا، لكنه لا يبحث عن الراحة، بل عن الحقيقة.
رجل بحجم مكتبة، وصوت بحجم ذاكرة وطن
محيي المسعودي ليس اسمًا عابرًا في سجل الكتاب العراقيين، بل ذاكرة متحركة للثقافة العراقية والعربية، ومرآة لعذاباتها وأحلامها. كلماته أوراق في شجرة تمتد جذورها في بابل، لكن أغصانها تتمايل في عمّان، ودبي، وبغداد، وستوكهولم، وكل مكان شهد حضوره الأدبي والإعلامي.
إنه باحثٌ لم يتوقف عن التنقيب، في الذات كما في العالم، وكاتبٌ آمن بأن الطفل والمرأة والفنان والمهمّش، كلهم يستحقون أن يُروى عنهم، لا كزينة ثقافية، بل كحقيقة مغفلة. هو صوت ينتمي إلى الذين لا صوت لهم، لذلك بقي، وسيبقى، علامة فارقة في درب الثقافة العراقية الحديثة.