لكل منا له حرز أو حكاية حياته الخاصة, تسلط الضوء الكاشف عن سيرة حياته ومكوناتها , والنص الروائي يوغل في تفاصيل هذا المكتوب في الحرز ,وهو مرآة لحال البؤساء والضعفاء المساكين ومعاناتهم الشقية , في ظل غياب القانون والحماية والرحمة والشفقة الانسانية حتى من اقرب الناس , كيف تكون حال مأساتهم في ظل غياب الدولة , أو تكون في حالة ضعف , ويسيطر عليها الفوضى والخراب ؟ بكل تأكيد سيكون الوضع الحياتي , طافح بالقهر والمعاناة والحرمان , والانتهاك القيمة الانسانية , لذا فإن الحدث الروائي يغوص في هذه التفاصيل الصادمة , هو كيفية وضع الضعفاء وحالة الفقر التي تنهشهم , بدفعهم الى شريعة الغاب , وتصبح الرذيلة والفحشاء المحرمة , عنوان مأساتهم الحياتية , فكيف يكون الحال في مجتمع ذكوري يعطي كل الحق للرجل حتى في جرائمه , وانتهاكاته للقيمة الانسانية ضد المرأة , فكيف يكون الحال حين يقع الجرم والفحشاء اللاخلاقية على طفلة قاصر , عمرها عشرة أعوام ,لتبدأ فصول المأساة واثارها المدمرة عليها , وهي لم تخرج من مرحلة الطفولة وأحلامها , لتكون حياتها عبارة عن كوابيس لا تطاق , كأنه امتحان الطفولة في معادلة غير متكافئة , القوي والضعيف , المتسلط والعاجز المشلول, المغتصب والضحية , ان الصراع هو عبارة معركة حياتية متعددة الاوجه , اهمها السيف المسلط على المرأة بالتهديد بالقتل بذريعة غسل العار , حتى من عمها الوحش الكاسر , الذي ارتكب الفحشاء المحرمة ضد ابنة شقيه وهي بعمر عشرة سنوات , ضد طفلة بريئة , لكن هذه الطفلة المنكوبة بشرفها , لم تستسلم , فتظل تقاوم عن إنسانيتها وشرفها الممزق , وتترك اثراً شاهداً على الجريمة , أن تترك اثراً يشير بأصابع الاتهام للفاحش والقاتل البشع , هذه الحقائق تصبح طبيعة في غياب القانون والدولة والحماية , ويبدأ النص الروائي , بمقدمة في غاية الاهمية في التعبير والمغزى الدال , وفي الرؤية الفكرية الناضجة في مدلولاتها الواقعية , هو الحدث الجلل , عملية اغتيال رأس هرم الدولة ..... الرئيس , ليس حدثاً عابراً , وإنما يدل بعبارة بليغة , على الاضطراب والفوضى , وحالة الهلع والخوف في غياب الدولة , فكيف يكون حالة الناس والبسطاء , حين يحرمون من الحماية من الفوضى ؟ كيف يكون حالة الضعفاء والمساكين , حين تسلب انسانيتهم ؟ وكيف يكون حالة المرأة والطفلة القاصر , حين يلوح بقانون غسل العار بالدم ؟ حتى لو كان اقرب الناس , . ولكن هذه سنة الصراع الأزلي , بين قوى الشر وقوى الخير , هذه سنة الحياة الف مسيح يصلب , والف مناضل يعدم , لكن الحياة لم تنتهي وترفع الراية البيضاء , بل تظل مستمرة وتتجدد بالابطال الجدد يدخلون معترك المعركة والصراع , والاهم ان قوى الخير رغم ضعف قوتها , لكنها تسجل اثراً وشاهداً على فاعل الجريمة والإثم , يكون شاخصاً يلاحق المجرمين حتى بعد موتهم , والاهم تتجدد الحياة في ابطال أكثر وعياً ونضجاً , في الصراع الشرس , يخلق اكثر من الغاضبين المتمردين و الناقمين , حتى لو تطلخت الطرق والأرصفة بالدماء , لذا فإن من يحتمي بالسلاح والعشيرة والإرهاب هو في دائرة الاتهام , وبالتالي لابد ان ينهزموا مهما طال الزمن , لابد من تجار وامراء الحروب والسماسرة ومهربي المخدرات , أن يطالهم القانون مهما كان جبروتهم , لكي يدركوا أن الإنسان وقيمته وكرامته , ليس سلعة أو غنيمة للإذلال والمهانة والانتهاك , ليس الناس عبيداً لكل متسلط وطاغي وظالم , هذه المنطلقات الفكرية والاجتماعية للحدث السردي , لم ينطلق من منطلق طائفي وعرقي محدد , بل كل المكونات معرضة للظلم والانتهاك والحرمان , بدليل بطلة الرواية الطفلة ( حياة ) من طائفة , والبطلة البديلة الممرضة ( ايفا) من طائفة اخرى , وكلاهما يقفان بوجه الظلم , وكلاهما يكشفان حقيقة الواقع الظاهر والمخفي , وكلاهما يمثلان صورة المرأة في اشراقها بالرفض والتمرد , حتى لا يكونان ضحية العسف والاضطهاد , كلاهما يكشفان الحقيقة وضد الزيف والتستر عليه , وكلاهما يمثلان الجرأة والشجاعة للمرأة . ×× حكاية الحرز واسراره :
قالت الطفلة الصغيرة ( حياة ) الى الممرضة ( ايفا ) وهي تصارع جرعات الموت الاخيرة , بصوت خرج متهدجاً من أعماقها , وهي تسلمها الحرز ( - ارجوكِ ..... احتفظي به عندكِ, وإن مت .... تصرفي به , لكن لا ترميه في سلة النفايات ... انه عمري ) ص23 , فدست الحرز في جيبها كأمانة ومسؤولية أخلاقية , وغابت في غيبوبة وهي مطمئنة , لانها سلمت حياتها إلى ايدي أمينة لا تجرؤ على الخيانة , ولكن ما يحمل في طيات هذا الحرز ؟ انه يحمل في طياته حياتها الكاملة , لا تريد أن يدفن مع موتها ( معنى , ذكرى , , حب دفين لا ينبغي له ان يموت ) ص24 . بكل تأكيد ليس انه قطعة قماش او جلد , بل سيرة حياتية كاملة , ارادت ( حياة ) , ان تخفيه من عيون الناس , وكذلك تخاف ان يقع في سلة النسيان , حين أدخلت الطفلة ( حياة ) الى المستشفى في حالة خطرة جداً نزيف شديد في المهبل , دونت الممرضة , المعلومات المهمة , الاسم . العمر ( اربعة عشرة عاماً ) وارتبكت كأنها اصيبت بالصدمة , حين ذكرت امها بأنها متزوجة . بالاخير وتودع حياتها في جريمة قتل في المستشفى , بعد ان رفض المستشفى خروجها كما اصر عمها على ذلك , لكنه هدد بأنه سيأتي في اليوم التالي , سوف يأخذها من المستشفى , حتى لو كانت على فراش الموت , بهذا التحدي الشرس , خوفاً من كشف الفضيحة الفحشاء بطلها عمها المجرم , هكذا انهى جريمته وغسل يديه بالدم , هكذا تودع ( حياة ) حياتها البائسة بالخوف والقلق لتكون ( شاهداً على هشاشة العالم , وعلى قدرة الالم ان يجعل من أبسط الاشياء , خيط , قطعة جلد قديم , أو نظرة أمٍ , معنى للحياة نفسها ) ص30 .
×× بداية مأساة الحرز :
الطفلة ( حياة ) تنتمي الى عائلة فقيرة مسحوقة , تسكن في بيت مثل بيوت الفقراء القديمة , ابيها يكد بعرق جبينه , يحاول بجهد ان تعيش بدلال ونعيم رغم فاقة الفقر , مثل بقية الاطفال , مازالوا يحلمون باحلام طفولتهم الوديعة , وكانت بعمر عشرة سنوات , لكن الأب أصابه مرض ( الربو ) والسعال الحاد , وصحته أخذت تتدهور أكثر , كان يطلب المساعدة من شقيقه الذي يعمل في سلك الشرطة , ويتاجر في الظلام بالمحظورات والتهريب , وكان يحمل الصناديق المقفلة ويخفيها في بيت شقيقه مقابل معونة شحيحة , وكان حينما يدخل البيت , يدخل معه الخوف والرعب والمعاملة الوحشية إلى ( الأم والبنت ) وعندما توفى والد ( حياة ) سارت الأمور المعيشية أكثر سواءً , وبرز تسلط العم المخيف , وعندما يدخل ترتعش خوفاً وهلعاً , ولم يتوانى بضربها مع أمها , و يكيل الشتائم البذيئة لهما , ليجعل حياتهم عبارة عن عذاب ( العذاب .. بل بدايته , فقد أصبحنا تحت رحمة ذلك العم , الذي كان ظله وحده كفيلاً بأن يصادر الدفء من البيت ) ص68 , حتى وصل الأمر ان يتحين الفرصة المناسبة للاغتصاب الطفلة ( حياة ) وفعل الفحشاء المحرمة رغم توسلاتها المريرة ( عمي .. أرجوك ... أنا حياة ابنة المرحوم أخيك .... أستحلفك بالاخوة . . بالدم ) ص77 , لكنه فعل الفحشاء المحرمة في الاغتصاب , تلك اللحظة شعرت بأن السماء اظلمت في وجهها , وان حياتها انتهت تلك اللحظة ( مات شيء كبير في داخلي , لم تكن مجرد لحظة اعتصاب ... كانت لحظة موت ) ص85 , وهدد العم الفاحش وتوعد بالقتل , ان كشفوا سر الفضيحة , وسيقوم بقتلها بدواعي الشرف وغسل العار بالدم , ويكرر فعل الاغتصاب عدة مرات ومع امها ايضاً , ومرت الشهور و ( حياة ) قررت ان تدافع عن شرفها المغتصب بقتله , وانها مستعدة لجريمة قتل العم الفاحش بقولها ( انني اريد قتله ) , لكن الام هدأت من روعها وان تترك التهديد , لانه لن يتوانى عن سفك دماء الاثنتين , وان ترضخ لقدرها المشؤوم , وبعد ذلك أجبر زوجة شقيقه المتوفي على الزواج , كجارية متعة جنسية , وانتقلوا الى بيته , ولتغطية على جريمة الاغتصاب , وجد العم الزوج الذي يهمه المتعة الجنسية , بالصفقة المقايضة , ويرغمها على القبول مرغمة على الزواج , من بهيمة على شاكلته ولكن وفق الشريعة , لم تستطع تحمل الوحش الجديد زوجاً , فقد أحدث نزيفًاً خطيراً في مهبلها , ونقلت الى المستشفى في حالة حرجة , ولكن العم ظل يطاردها حتى داخل المستشفى , مما استنجدت بحماية الممرضة ( ايفا) أن تنقذها من العم الوحش بعد تهديده العنيف بأنه سيأتي في اليوم التالي , لكي يأخذها حتى لو كانت على فراش الموت ( - خلصيني منه يا ايفا ... من عمي .. قبل أن يأتي . . انه قريب .... اشعر بظله يزحف نحوي ..... إن هذا الباب هو فم الجحيم نفسه . , ارجوك .. خلصيني . بأي وسيلة .. حتى لو بالموت .... الموت اهون من أراه يدخل ) ص38 , وسهرت الليل تنتظر بزوغ الوحش من الباب , وعند أواخر الليل , جاء وكانت معركة غير متكافئة في سبيل خطفها , قاومت بما تملك من قوة وضربته بالقلم على خده الأيسر , وعندما شاهد الدم ينزف من خده , سحب مسدسه وافرغ ثلاث طلقات في جسمها وهرب من المستشفى , وهو يحمل جرحاً عميقاً في خده , حدثت هذه الجريمة في مستشفى حكومي ,كأن الحماية والحراسة غائبة عنه وبعد جريمة القتل , شعرت الممرضة ( ايفا) أن في عنقها عهداً ووعداً اً ومسؤولية , في نشر رواية مأساة ( حياة ) حتى لا يبقى المجرم حراً وطليقاً , وتكلفت بالقيام بالدور المطلوب بكل امانة ( حياة غابت جسداً , واخرى تولد في أثرها , أراني هي , لاني لا اريد لقصتها ان تنتهي , شعرت أن ما سلمته لم يكن ورقاً, بل عهداً : ان اروي قصتها كما أرادت , بلا تزييف , بلا تخفيف , بلا صمت ..... رأيت الخرز في يدي يدعوني إلى اكمال ما بقي من حكاية معجونة بالدم ) ص116 .
جمعة عبدالله