8-01-2026
ليس المكان وحدة ما يصنع الانتماء
ولا العودة دائما خلاص الغربة *...ا
أخذ حيدر علي المهدي نفسًا عميقًا. لطالما كان التحقيق هاجس خوفٍ يطارده. منذ اليوم الذي تسلّم فيه رسالة الضابط، لم يفارقه القلق. اكتفى بقراءة الظرف الخارجي فقط، وعرف أن عليه الذهاب إلى سراديب النجف للمرة الثانية
أمسك الرسالة كمن يقبض على جمرة متوهجة؛ كانت النار تسري إلى كفّه، قلبه يرتجف، وعقله مشتت، ولم يجد في داخله سوى سؤالٍ واحد
كيف ينقذ نفسه من هذا المأزق… وربما من الموت؟
قال له الضابط عامر
— لديك إجازة عشرة أيام، اذهب خلالها إلى هناك.
كان عامر يدرك خطورة المكان الذي سيتوجه إليه حيدر. شكره حيدر على مساعدته، رغم أن الامتنان لم يخفف من ثقله الداخلي
وضع الظرف في جيب بنطاله الخلفي دون أن يقرأه، خشية أن يراه رفاقه المجنّدون. وعندما عاد إلى الغرفة، سأله صديقه خالد
— ماذا حصل؟
أجابه بهدوء مصطنع
— حصلت على إجازة عشرة أيام، سأذهب إلى البيت
لم يعلّق خالد، لكنه شعر أن خلف الكلمات سرًّا لم يُكشف بعد
بعد يومين، ركب حيدر سيارة عسكرية مخصصة لجلب الأرزاق. وفي مقر السرية قدّم نفسه، فأُبلغ أن هناك سيارة متوجهة إلى بغداد يمكنه الذهاب معها
قال في نفسه: من حسن حظي أنني لم أُسلَّم مباشرة إلى السراديب
وصل إلى بغداد، العلاوي، مساءً، وهاجس الخوف والقلق يسري كنبضات قلبه ...وكانت مكتظة بالناس والبائعين. استقل سيارة إلى الكاظمية، ولم يكن يشغل تفكيره سوى شيء واحد: الهروب… إلى أي مكان، ما عدا سراديب النجف التي ذاق فيها مرارة لا تُنسى
عندما وصل البيت، ارتجف قلبه. كيف سيخبر أمه؟
فتح الرسالة بيدٍ مرتعشة وأخبرها أنه مطلوب للذهاب إلى السراديب المظلمة. صمتت، وكادت الصرخة تخنق صدرها، ثم انهمرت دموعها. لم يحتمل رؤيتها تبكي، انسحب بهدوء وتركها غارقة في حزنها. ذهب الى الغرفة ليأخذ قسطا من الراحة بعد عناء السفر منشغلا بالتفكير طيلة الوقت كيف سيحل معضلة الرسالة...؟
«يبدو أنك لا تحب أن تفارقنا يا سيد حيدر المهدي»
قال الرجل الواقف عند مدخل السراديب
أجابه حيدر بصوت خافت
— لا، لكنني مضطر أن آتي حسب طلبكم
قال الرجل الضخم، ذو الشاربين المعقوفين وصوتٍ مزمجر
— خذ هذا (الكرك) واحفر قبرك بيديك هنا
ثم أضاف ببرود
— لديك حظوة جيدة، أنت قريب من المرقد، وغريب، والغريب يُدفن هنا… ثم إنك فقير، لا تملك ثمن قبر
ارتجف حيدر. كان يحفر قبره بيديه. تمدد داخل السرداب، وضع قطعة آجر عند المدخل، وكتب اسمه وتاريخ وجوده بحجر أبيض، وترك ثقبًا صغيرًا للتنفس… وربما لسماع صوتٍ ما
مرّت السنوات. لم يُستدعَ للتحقيق، لم يُنَادَ باسمه. فقط أصوات الزائرين، أدعية، توسلات، وبكاء
بقي هناك اثنتين وعشرين سنة
كان يخرج خلسة كل ليلة يبحث عن فتات طعام وبقايا ماء. وحين قرر الخروج، وجد نفسه شخصًا آخر: شعر طويل، لحية كثيفة، جسد أنهكه الزمن
اغتسل في مغسل الأموات، ارتدى ملابس مستعارة، وخرج إلى المدينة
لكن المدينة لم تكن كما عرفها: وجوه متجهمة، ملابس سوداء، تعصب، فقدان أمل. شعر أنه الغريب… أو أن المدينة هي التي تغيّرت
تجول، التقى الناس، أقاربه، سمع الكلام ذاته، ورأى الخيبة ذاتها
فقال في نفسه
ربما الأفضل أن أعود إلى السراديب… لعلني إن خرجت بعد اثنتين وعشرين سنة أخرى، أجد البشر قد تغيّروا
شعر بيدٍ تهز كتفه
— يمّه… يمّه… اكعد، طولت النومة
نهض مفزوعًا
— ها يمّه… صباح الخير
ثم قال في سرّه
أريد فطورًا… وأريد أن أجد طريقًا للهروب من المدينة الكبيرة، لأنها أصبحت غريبة عليّ… أو ربما أنا الذي صرت غريبًا عنها
--------------------------------------
الشاعر بدل رفو