في كل عام تُنظّم شركة اليانصيب مهرجاناً جماهيرياً كبيرا في ملعب المدينة المركزي، يُساهم فيه الالاف ممن يحلمون بتحقيق ضربة العمر والفوز بالجائزة الاولى، وهي مبلغ كبير يحقق به المرء احلامه المؤجلة، لسنوات عديدة كان يأتي الى الملعب يجرجر معه احلامه الوردية، في ظل عتمة حياة الغربة والبطالة التي لم تغادره ومعاناته المتواصلة واحساسه بالمهانة عند رأس كل شهر، حينما يكتب طلب المساعدة الاجتماعية ويقدمه لمكتب البلدية، ونظرات المسؤول المُشككه بنزاهته والتي تجرح كرامته وتشعره بالاذلال، تلك المساعدة التي تحدد مستوى ونمط حياته بالحدود الدنيا المسموح بها، لسنوات طويلة يحلم بشراء سيارة مستعملة ليُشبع عشقه لقيادة السيارات، يحلم بالسفر ككل البشر بلا تكتم، أن يرتاد المطاعم والبارات متى ما يشاء، أن يُشبع صدره بأفضل انواع السجائر، وان يمتلك بيتاً ولو صغيراً يطل على بحيرة هادئة، كل ذلك لن يتحقق له طالما يوقّع نهاية كل شهرعلى تلك الورقة اللعينة "طلب المساعدة الاجتماعية".
جلس على المدرج وسط الكتل البشرية بملابسهم الزاهية، سمار بشرته يميزه كما الطائر الرمادي في قلب الغيوم البيضاء، نظرات البعض منهم تُشعره بعدم الترحيب فيضطر الى تحاشيها، الموسيقى المنبعثة من منصة الملعب تهدّيء قليلا ًمن توتر اعصابه، بين الفينة والاخرى يَسرح مع احلامه، يجلس على كرسيه الهزاز امام منزله المطل على البحيرة، تقترب منه مجموعة من البط البري فيرمي لها قطعاً من الخبز لتتسابق عليها فتلتهمها، سجادة العشب الاخضر والازهار المطوقة لها تشعره بالسكينة وترسم البسمة على وجهه، يرمى بسنارة الصيد الى الماء، ينظر الى الخيط طويلا ًبأمل إهتزازه، إهتز مدرج الملعب بهمهمات على اثر إعلان مكبرات الصوت للرقم الاول، إرتبك وهو ينظر الى بطاقة اليانصيب باحثا ًعن الرقم فلم يجده، الرقم الثاني، الثالث، بدأ اليأس يدب في أوصاله، الرقم الرابع زاد من إرتباكه ورسم قليلاً من الفرحة والامل، تتابعت الارقام لتتلاعب بمشاعر الالاف، وصل الشد العصبي ذروته، بقي له رقمان ليحقق الفوز المنشود، تعرق جسده وتصاعد الدم الى رأسه، عند إعلان كل رقم كان يقفز من مقعده وهو ينظر الى البطاقة بأرتباك شديد، صرخ مع نفسه محاولاً كتم السر عن الجالسين بقربه "بقي رقم واحد"، ردد مع نفسه بلا وعي "يا ألله... يا ألله الفرج منك يا ألله..." إشتد الحماس وتعالت الصيحات بين الجمهور، وقع صوت المكبر كالرعد في اذنه وهو يعلن الرقم المنشود، قفز قلبه من مكانه قبل جسده، صرخ بأعلى صوته "بنكَو... بنكَو.." ثم هوى جسده على ارضية المدرج بلا حراك، تجمع الناس حوله وهو جثة هامدة ترفع يدها ممسكة بقوة بورقة اليانصيب.
2014-