قراءة نقدية

 

يثير مسلسل “حمدية” الذي تنتجه MBC جدلًا يتجاوز حدود الفن إلى أسئلة أعمق تتعلق بالسياق والهوية والذاكرة الجماعية. فحين يُطرح عمل درامي يمسّ بيئة الجنوب الشيعي في العراق لا يمكن فصله عن التاريخ السياسي والاجتماعي الحافل بالصراعات والتضحيات.

 

أولًا: سؤال الخلفية الفكرية لصنّاع العمل

 

في النقد الثقافي المعاصر لا يُفصل النص عن سياقه. وإذا كان كاتب العمل أو بعض المشاركين فيه مرتبطين بخلفيات سياسية مثيرة للجدل بانتمائهم للنظام الصدامي في الوعي العراقي فإن ذلك بطبيعة الحال يفتح باب التساؤل المشروع حول زاوية المعالجة.

النقد هنا لا يقوم على الإقصاء بل على مساءلة الرؤية:

هل المعالجة الدرامية تسعى فعلًا لتشريح ظواهر اجتماعية؟ أم أنها تعيد إنتاج خطاب قديم يقوم على شيطنة البيئة المتدينة وتصويرها كحاضنة للتناقض والانحراف؟

 

الدراما ليست محايدة تمامًا؛ فهي تختار ماذا تُظهر وماذا تُخفي وأيّ صورة تكرّس في وعي المشاهد.

 

ثانيًا: انتقائية السرد وتجاهل التضحيات

 

من أبرز الإشكاليات التي أثارها المنتقدون هي أن العمل – بحسب قراءتهم – يسلط الضوء على نماذج سلبية من المجتمع الجنوبي بينما يتجاهل صفحات مشرقة ومفصلية في تاريخ العراق الحديث.

 

فعندما اجتاحت عصابات (دا عش) مدنًا كبرى مثل الموصل وارتُكبت جرائم مروعة بحق المدنيين ومنها سبي النساء الإيزيديات برزت قوى عراقية لبّت نداء المرجعية الدينية للدفاع عن الأرض والعِرض. وكان ابناء الح. شد دور محوري في استعادة الأراضي ومواجهة الإرهابة في مشهد اعتبره كثيرون دفاعًا عن وحدة العراق وكرامته.

 

إن تغييب هذا السياق أو تجاهله في المقاربة الدرامية – مقابل التركيز على نماذج منحرفة داخل البيئة الشيعية الجنوبية – يُشعر فئة واسعة بأن ثمة انتقائية في السرد، تُظهر العيوب وتُغفل التضحيات.

 

ثالثًا: رمضان… زمن المصالحة أم الاستفزاز؟

 

عرض العمل في شهر رمضان يضيف بُعدًا رمزيًا حساسًا. فهذا الشهر في الوعي الجمعي يُفترض أن يكون موسمًا للتآلف والتراحم ولمّ الشمل.

عندما يُقدَّم عمل يُفهم من قبل شريحة واسعة – بوصفه مسيئًا لهوية دينية ومجتمعية فإن ذلك يُضاعف من وقع الجدل ويحوّل الموسم الرمضاني من مساحة روحية جامعة إلى ساحة استقطاب.

 

رابعًا: بين النقد الاجتماعي والتوهين الرمزي

 

النقد الجاد لا يعترض على كشف الفساد أو الانحراف أينما وُجد. لكن الإشكال يظهر عندما تتكرر عناصر محددة:

ربط الانحراف بأسماء ذات دلالات مذهبية واضحة.

تقديم البيئة الجنوبية بوصفها حاضنة للتناقض الأخلاقي.

غياب النماذج الإيجابية التي تعكس التوازن الاجتماعي والديني.

 

في علم السيميائيات التكرار ليس بريئًا فهو يبني دلالة. وإذا تكرست صورة نمطية سلبية عن جماعة بعينها فإن ذلك يندرج ضمن ما يُعرف بـ”التأطير الثقافي” الذي يعيد تشكيل وعي المتلقي بصورة أحادية.

 

خامسًا: صرامة النقد لا تعني التحريض

 

من الضروري التمييز بين النقد الصارم وبين خطاب الكراهية.

يمكن – بل يجب – مساءلة الأعمال الفنية بحدة ووضوح خصوصًا حين تمسّ هوية جماعية حساسة. لكن في الوقت نفسه تبقى المسؤولية مضاعفة في الحفاظ على لغة نقدية ترفض التعميم أو التحريض، وتتمسك بالاحتكام إلى الحجة والتحليل.

 

*خلاصة نقدية*

 

الجدل حول “حمدية” ليس مجرد خلاف حول مسلسل بل هو تعبير عن صراع سرديات:

سردية ترى في العمل نقدًا اجتماعيًا مشروعًا.

وأخرى تعتبره إعادة إنتاج لصورة نمطية تُضعف مجتمعًا قدّم تضحيات كبيرة في مواجهة الاستبداد والإرهاب.

 

في النهاية قوة الدراما الحقيقية لا تكمن في الصدمة بل في قدرتها على تقديم صورة مركّبة وعادلة. وأي عمل يتناول بيئة دينية أو مناطقية في بلد عانى من الانقسامات يحتاج إلى حساسية مضاعفة وتوازن أشد حتى لا يتحول الفن من أداة وعي إلى سبب شرخ جديد.