تلك الطفلة التي تملك كل شيء لكنها غير سعيدة! كان الحُزن يسكن في أعماقي... الصمت كان قد علم شفاهي الكسل، لم أكن أحب الطعام، إلا القليل جداً من فاكهة أحبها، وصحن صغير من  حساء لا أحد يمكنه اعداده مثلها ..

تلك التي كانت تندب حظها مع كل غروب للشمس، وكنت أخبئ وجهي تحت (الفوطة) التي لا تتخلى عنها حتى في ساعات نومها !!

كنت أخرج رأسي الصغير كقطة أليفة، كأنني أعبي عيني

بذرات من ذاك المشهد الذي أورثني الحزن ما حييت ..

حزن جميل أعتدت عليه، منحني الأتزان حتى نلت رضا كل عجائز العشيرة !!

ذاك اليوم ... داهمتني نظراته وهو يهم بمساعدتي على وضع  فنجان القهوة التي ما كنت قد تعلمت ضبط اعدادها بعد !!

بقيت ارقب تعابير وجهه علها توشي برأيه فيها .. ذاك الفطن الذي كان شريك أبي في تجارة السجاد ...

ابتسم فأبتسمت لأبتسامته... قال لي...

أطيب فنجان قهوة ارتشفتها في حياتي .. وغمزّ لأبي بطرف عينه  ..!

لملمت طرف ثوبي الذي أكد أبي مراراً وتكراراً على جدتي؛ أن تخيط لي سروالاً قصيراً ارتديه تحته ..

تلك الليلة التي لا أعرف لماذا فجأة وبلا مقدمات صرت أدفن رأسي تحت الوسادة، استعيد نظراته وصوته، احتوي كل وجوده في رأسي، أفرده كقطعة قماش وافصلها على طريقة جدتي ... اتمتم القياسات مثلما تتمتم، وأرمي جسده بنظرات فاحصة كما تفعلها معي عندما تخيط لي سروالا يشبه سروالها الفضفاض...

عندما كانت تكشف عن ساقي قبل أن تدسها في فم السروال، كانت تلح في قراءة المعوذات التي افلحت هي وحدها بجعلي احفظها على ظهر قلب !!

آه ... يا ذاك الذي صار يعشعش في رأسي ....

صرت أجري إلى فتح الباب في أيام أعرف موعد مجيئه إلى بيتنا، لمحاسبة أبي الذي نادراً ما كان يستقبل أحد أصدقائه في بيتنا !!

كانت سنين عمري الستّة عشر تسمح لي أن اجلس معهما في غرفة الضيوف... يبتسم أبي لي ابتسامة عجيب، كيف كانت تشبعني احساساً بالأمان افتقد إليه كثيراً ...

ابتسامة أبي .. لو تسنى لكل حراس الدنيا حراستي لعجزوا عن منحي  قطرة احساس بالأمان مثلها !

صرت أكتب اسمه على رحلتي وعلى كتبي ودفاتر.. صرت أحب صوت شريك أبي، وأعد الساعات أمني النفس بنظرة.

غرستني في قاع الصمت والحزن أكثر مما فعله اليتم بيَّ ...

ذاك الصباح لم أذهب إلى المدرسة .. ووجدتني اخطو باتجاه محل أبي ...

ما أن وطأت قدمي سوق الشورجة حتى أصبت بنوبة عطاس، صرت احتال على منديلي الذي طرزته بيدي، أن يستوعب كمية الرذاذ المتطاير من كل ذرات وجهي ..

حتى دمعات عيني... هي الأخرى خذلتني، أن تحالفت مع أنفي الذي لم يستوعب روائح البهار الهارب من دكاكين العطارين...

وصلت حد محل أبي وأنا بحالٍ يرثى له .. صرت أدير وجهي عنهما عندما تقدم أبي نحوي، وصار يلملم خصلات الشعر المتناثر على جبيني، ويحجب عنه نظرات عيوني .

قدم لي شريك أبي قدح ماء، غسل لي أبي وجهي بما تبقى منه ...

صرت أخجل من معاملة أبي لي كطفلة! مسحت وجهي بكم قميصي قبل أن ينشغلا عني بتلبية طلب تاجر رحبا به أشد ترحيب ..

كانا يحسنان عقد صفقة بيع سجاد بالجملة ... أعجبت كثيراً بطريقة تعاملهما التي نالت استحسان ذاك التاجر، الذي مازح أبي في نهاية المطاف، أن اكون ضمن شحنة السجاد ...!!!

كان شريك أبي يعد النقود عندما تقدم أبي نحوي ليقبلني، وهو يدير وجهه للتجار قائلاً (هذه كل ثروتي)!

تمنيت أن يكرر أبي العبارة أكثر من مرة على مسامع شريكه هذه المرة !!

سألني أبي أن كنت أريد شيئاً قبل عودتنا الى البيت ..

قلت له أريد هذه السجادة .. اشرت على شريكه، ثم بحركة مشاكسة بطرف اصبعي اشرت على أجمل سجادة، طلب أبي من شريكه أن يجلبها معه في المرة القادمة ...!

5 مايو 2024