(2) حسين عبد السادة
الليل، الشباك، والمطر…(الشهيد)* الشديد*
وأنا هنا في عزلتي… قلبٌ وحيد... ا
حين ودّعته ندى بابتسامة شفيفة ارتسمت على شفتيها الممتلئتين، قالت له بصوتٍ يشبه الوعد
سألتقيك عندما يأتي المطر في المرة القادمة
ثم تركته وحيدًا في عزلته، ومضت
عاد رعد إلى شقته الصغيرة. كل شيء كان مرتبًا: المطبخ، الصالة، غرفة النوم. لكن النظام في الأشياء لا يبدّد فوضى القلب. في تلك الليلة، لم يعرف النوم طريقه إلى عينيه. ظلّ يحدّق عبر الشباك الوحيد في الشقة، يراقب السماء كما لو أنها تخبئ له سرًا
استيقظ متأخرًا في الصباح، قرابة العاشرة. كانت أول نظرة له نحو السماء. صافية… بلا غيمة واحدة تنهد وهمس
إذن… لن تأتي اليوم
أعدّ فطوره ببطء، وضع إبريق الشاي على الموقد، وأطلق لرائحة الهيل أن تملأ المكان. بعد أن انتهى، رتّب سريره، جمع أوراقه وكتبه المبعثرة، أعاد لكل شيء مكانه. منذ أكثر من أسبوع لم يكن له مزاج لترتيب الشقة؛ كانت الوحدة تثقل روحه. لكن شيئًا ما تغيّر داخله. شعور دافئ تسلل إلى قلبه… شعور يرتبط بالمطر، وكأن قلبه صار معلقًا بقطراته
راح يقنع نفسه بأن المطر قد يأتي في أي وقت… حتى في الصيف. مرّ يومان، ثم أسبوع كامل، ولم تهطل قطرة واحدة. كان يذهب كل يوم إلى سنتر المدينة، يتمشى بين الوجوه، يستقل الحافلة أحيانًا، أو يعود سيرًا على قدميه… لعلّه يصادفها صدفة. لكن السماء بقيت بخيلة، وندى لم تظهر
في صباح اليوم الثامن، نظر من الشباك… كانت السماء ملبدة بالغيوم. ارتجف قلبه فرحًا، كأن غيمة صغيرة عبرت داخله قبل أن تعبر السماء. سحب كرسيًا من المطبخ وجلس يراقب الأفق بصبرٍ يختلط بالقلق
مرّ النهار ثقيلًا، وجاء الليل. في العاشرة مساءً ألقى نظرة أخيرة إلى السماء قبل أن يخلد للنوم. تمتم
غدًا… ربما يأتي المطر غدًا
استسلم للنوم بعد عناء التفكير. وبعد ساعة، أيقظه صوتٌ متزامن: طرقٌ على الباب… وصوت البرق والرعد… والمطر يهطل بغزارة
تسارعت دقات قلبه
تكرر الطرق
تقدّم نحو الباب وسأل بصوتٍ مضطرب
من؟
جاءه صوتها دافئًا خلف العاصفة
أنا ندى
فتح الباب بدهشةٍ وفرحٍ امتزجا في عينيه
"لم أكن أتوقع أن تأتي في هذا الوقت"
ابتسمت وقالت بثقة الوعد
ألم أقل لك؟ عندما يأتي المطر… سأكون هنا
أدخلها، وقد ابتلّ شعرها بقطرات لامعة. قال وهو يحاول إخفاء شوق أسبوع كامل
لو تعلمين كم انتظرت هذا المطر… انتظرتك معه
طلب منها أن تجلس في المطبخ، وأشعل الموقد
سأعدّ لك شأيا بالهيل… لتتدفئي
وأخرج علبة التمر من الثلاجة، وأضاف ممازحًا
"التمر يمنح طاقة… ونحن بحاجة إلى طاقة في مثل هذا الطقس"
ابتسمت وهي تنظر إلى المطر خلف الشباك
عندما يتوقف المطر… سأعود إلى البيت
نظر إلى السماء، إلى الغزارة التي تملأ الليل، وهمس في سره
ليته لا يتوقف… ليبقَ حتى الصباح
فالمطر وحده يعرف طريقها إليه... ا
-------------------------------------
الشاعر كريم العراقي *