قرأت المجموعة القصصية التي حملت عنوان (مذكرات استاذة) للكاتبة سعاد الراعي الصادرة مطلع عام 2026 بنسخة الكترونية.... وهي قصص اجتماعية وفكرية ناقدة لمظاهر باتت جزء من واقعنا المؤلم والمشوه الذي تبرز فيه تحديات كبرى تواجه الانسان في محطات حياته وتنقلاته يكون خلالها مطالبا بموقف رصين رغم هول الأوضاع الملتبسة وهو ما واجه شخصيات قصصها كما هو الحال مع الأستاذة الجامعية التي تواجه مفاهيم التطرف والتعصب اثناء تدريسها للطلبة.. حينما تتعامل مع أحد طلابها.. الذي تم حشي دماغه بشحنات من الحقد والعنف المستندة لطبيعة العلاقة بين المرأة والرجل وما يدور في خلده من وجود طرف ثالث هو الشيطان.. الذي يوسوس للثنائي المكون من الانثى والرجل.. فتحول من خلال القصة الى عنواناً لا يخلو من السخرية (عندما يكون الفكر ثالثهم) في تنويه لضرورة التفكير العقلاني بدلا من الترهات الدينية الميثولوجية.. التي تجعل من هذه اللحظات الإنسانية في هذا الكون الشاسع وجوداً شريراً بين اثنين.. يكون المتخفي بينهما الشيطان البائس.. الذي لا وجود له الاّ في رأس هذا الطالب المسكين.. الذي وقع ضحية لأوهام الدين.. وهو حالة ليست فردية.. بتنا نواجهها في مجتمعاتنا كظاهرة مدانة تنتج الإرهاب المنفلت.. وتؤسس لعداوات وضغائن مجتمعية مشبعة بالعنف والكراهية للآخر.. لتصبح تياراً دينياً مدمراً جارفاً.. ما زال ينمو ويزحف في كل مكان لا تخلو منه أروقة الجامعات..
ليس هذا فقط.. في المجموعة القصصية المكونة من تسع قصص هي:
2ـ ذاكرة في ظلال الغياب
3ـ عندما يكون الفكر ثالثهم
4ـ حلم لم يولد
6ـ عقدة كاتب
7ـ الماضي يطرق بابنا
8ـ طيف على حدود العدم
9ـ الدرس الأخير
تنحو فيها المبدعة سعاد الراعي لتخط لنا من خلالها مواقف ثابته في مواجهة الألم والمواقف الصعبة المحرجة.. بروح واثقة من قناعة راسخة بصحة اختيارها وادراكها لمعنى الحرية.. وجوهر السلوك الإنساني الطبيعي.. كما هو في قصة (ان شاء الله يا أستاذة) الذي تمحور حول الحجاب.. ليعكس جانباً من المفاهيم الدينية والمجتمعية.. التي تضطهد المرأة وتنظر لها بدونية.. وهنا في هذه القصة.. الحوار لا يخلو من وظيفة نقدية.. يتخطى حدود النقاش بين الاثنين.. ليصل في عمقه البلاغي من نقد مظاهر الدين الى جوهره..
(عندما يكون ثالث اللقاء هو الفكر، لا الشيطان، ينتصر العقل على الوهم… وينقلب الصمت من الخوف إلى التأمل)..
الدين كحالة متدنية في الوعي الإنساني.. يمارس دوره في تحديد حرية الانسان عموماً والمرأة تحديداً.. وتجعله اسيراً لأوهام وخيالات "آلهة" تسعى لربط الاخلاق بالمظهر.. وتعتبر الحجاب رمزاً للقيم والعفة والأخلاق الفاضلة..
وهي نظرة ساذجة في زمن أصبحت فيه كل العيوب والمساوئ توجه نحو رحال الدين.. وتنعتهم باللصوص والحرامية والسراق.. وغيرها من الاوصاف المعيبة.. التي سادت في زمن المنادين بالحجاب ممن تحالفوا واندمجوا مع شلل وعصابات من مافيات الفساد المستشرية اليوم..
لا تكتفي سعاد الراعي بنقد مظاهر الدين الزائفة.. وتتوقف في محطات قصصها أيضا.. عند مظاهر.. اخذت تنتشر.. لتشكل حالات لا إنسانية في السلوك.. لدى البعض ممن يستغلون المطاردين الفارين والمهاجرين لبلدانهم ليتاجروا بهم ويستغلوا أوضاعهم..
وكذلك الحال في الموقف من الذين كبروا وشاخوا وتعرضوا للإهمال.. كما هو (في حضرة الأستاذة) قصتها مع ماريا..
(لم يكن الأمر مجرد زيارة عابرة، بل وعداً أن أكون معها في وحشتها، أن أشاركها صمتها، وأن أكتب معها آخر سطور كرامتها في عالمٍ لم يعد ينصت إلا للزيف).
وفي قصة (طيف على الحدود) ثمة علاقة إنسانية مؤثرة تجمع بين لاجئة شابة مرت بمحطات انتقال خسرت فيها اعز من كان معها.. أمها التي ماتت وسط غابة في حدود دولة اوربية تطارد اللاجئين..
(أمي… أمي التي ورثت صلابة الجبال، لم تنحنِ لأمرهم. ارتفع صوتها من قلب الخوف، استغاثة وشتيمة في آن واحد، كأنها تمزق صدر الليل لتخرج منه.
اندفع أحدهم من خلفها، ضربها على ظهرها بقسوة، فترنحت، لكنها لم تسقط في روحها، بل أطلقت صرخة أشّدّ حدة، فأطبق بعقب الرشاش على رأسها…)
التقت بها في المانيا صدفة وتشبثت بها (كمن وجد في صحراء غريبة جرعة ماء. ابتسمت، وبدأت الأسئلة تتدفق من شفتيها كما تتدفق الحكايات حين تجد من يصغي.) لتقص لها حكايتها المؤلمة من خلال لحظات لا يمكن نسيانها وحفرت في ذاكرتها المشروخة..
(صرخت باسمها، وركضت نحوها، لكن عاصفة من الألم انقضّت عليّ بضربةٍ أو ضربات جعلت الأرض ترتطم بوجهي، ثم غاب عني كل شيء في عتمةٍ غليظة.)
طالبة مساعدتها..
(كان في كلماتها شيء يتجاوز الطلب العابر، كان نداء روحٍ تبحث عن مأوى.)
في عالمها الجديد الذي لا يخلو من تحديات يتطلب تعلم أشياء كثيرة ولغة جديدة في تشبيه بلاغي.. (أنها تدرس الألمانية، بصبرٍ يشبه مشي المسافر في طريقٍ مغمور بالثلج.)
و (في خلفية المشهد، كان صوت الريح يمرّ عبر نافذتي كأنّه يحمل معه شيئاً من برد الغربة الذي يحيط بها)..
قصص تتمحور حول الانسان ومعاناته.. تقف معه مع عقله المدرك وحريته.. التي يتشبث بها ولن يتخلى عنها.. تشجعه وتحرضه على التمسك بقيمه ككائن واع.. يبحث ويتوق للأفضل.. وترصد في محيطه ما يواجهه من تصرفات وتحديات.. لا تخلو من ملابسات وممارسات قاسية.. ممن يحبذون العنف.. ويسعون لفرض عقائدهم على الاخرين..
ـــــــــــــــــــــــ
12آذار 2026