*(أن تكون حرًّا ليس كافيًا للسير فوق خط مستقيم)

كان هبوط الطائرة في مطار ستوكهولم غير كافٍ ليمنحك الاطمئنان بأنك ستُستقبل بسهولة أو بالترحيب الذي تراضها؛ هذا ما قاله حسام لنفسه، خصوصًا أنه لا يمتلك أي وثائق تُثبت انتماءه لأي بلد

راودته أسئلة كثيرة
ماذا لو طلبوا منه العودة إلى البلد الذي جاء منه؟
أو أرسلوه إلى مكان آخر يُحتجز فيه؟
ولديه تجربة مريرة سابقة مع الاحتجاز

لكن تلك الأسئلة تبددت عندما استقبله الشرطي بلطف وقال
"أعطني جوازك؟"

قال حسام بشيء من الخوف الداخلي وبارتباك
"ليس لديّ جواز… وأطلب اللجوء هنا."
خرجت الكلمات من فمه مخنوقة، بالكاد لم تخنقه

ابتسم الشرطي وقال مشيرًا بيده اليسرى
"اذهب إلى هناك"

بعدها أرسلوه إلى مخيم للاجئين في ستوكهولم. كان المخيم يتكون من مبانٍ عديدة وغرف كبيرة لسكن اللاجئين من مختلف الجنسيات، وهناك أيضًا غرف صغيرة للعوائل مع أطفالها. كما وُجدت المكاتب الإدارية للموظفين المسؤولين عن متابعة شؤون اللاجئين، إضافة إلى مطعم كبير يتناول فيه الجميع وجبات الغداء والعشاء في أوقات محددة، وإلا يُحرم من الأكل إذا لم يحضر في الوقت المحدد

أُرسل إلى قاعة كبيرة فيها ستة أسرّة معدة لستة أشخاص من جنسيات مختلفة: إيراني، عراقي، أفريقي، فلسطيني

حاول أن يتجنب الاختلاط مع أغلب اللاجئين، لكنه فضّل أن يختار ما يناسب مزاجه الجديد حتى لا يواجه مشاكل هو في غنى عنها، وربما ليضمن استمرار وجوده في السويد كما كان يعتقد. ولهذا تطلّب منه الأمر أن يكون هادئ الطبع، ملتزمًا بالنظام قدر ما يستطيع، تجنبًا للمشاكل مع الآخرين

كان وجوده مع ستة أشخاص في غرفة واحدة مصدر قلق وعدم راحة بسبب المزاجيات والتصرفات المزعجة. لكنه لم يكن بيده حيلة، وعليه أن يتحمل. وأكثر ما كان يزعجه وقوفه في الطابور لدخول المطعم. لم يكن الجوع هو المشكلة، بل ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إليه كلما تقدّم خطوة، وكأن هذا يقلل من قيمة الإنسان؛ هكذا كان تصوره حينها. أقسى شعور هو أن تكون مجبرًا على فعل شيء لا ترغب في القيام به. كم شخصًا وقف في ذلك الطابور مجبرًا على ذلك؟

في أحد الأيام، بينما كان واقفًا في الطابور لتناول وجبة الغداء، كان أمامه شخص يتحدث العربية. تبادلا الحديث في مواضيع مختلفة، فبادرتُه بتعريف نفسه ومن أين أتى. رحّب به وقال
"أنا اسمي ياسين من فلسطين. موجود هنا منذ عشر سنوات ولم أحصل على الإقامة، وأسكن وحدي في غرفة فيها سريران، وأعمل ليلًا كسائق سيارة أجرة"

ترك هذا الحديث انطباعًا مشوشًا لدى حسام. كيف لا يملك إقامة ويعمل في الليل؟ لابد من لغز أو سبب معين. تمنى ألا يكون مصيره مشابهًا

تحدث حسام عن وجوده مع ستة أشخاص، وأنه يشعر بعدم الراحة وقلة النوم بسبب الإزعاج بعد منتصف الليل. بدا ياسين متعاطفًا معه وقال
"يا أخ حسام، تستطيع إذا رغبت أن تأتي وتسكن معي. فأنا، كما أخبرتك، لست متواجدًا في الليل بسبب عملي

عبّر حسام عن شكره وامتنانه لهذا الموقف

وانتقل في اليوم نفسه إلى غرفة ياسين لأنه لم يكن يملك ما يحمله معه

------------------------------------------------

.( حيدر حيدر كاتب وروائي سوري (1936 - 2023