بعد احتلال الكويت، كانت امريكا وحلفائها تعدّ العدة لهجوم كاسح لتحريرها، المشاعر في قمة التوتر والصراع على اشده بين مؤيد للنظام العراقي وآخر رافض للنظام والاحتلال والحرب في آن واحد.
كان هناك اكثر من أربعمائة لاجيء من مختلف البلدان يعيشون بمعسكر في غابة كثيفة مترامية الاطراف قرب مدينة هيديمورا*، المعسكر عبارة عن مبنى كبير قديم يتألف من اربعة طوابق وآخر تحت الارض، سابقا كان مشفى لرعاية المختلين عقلياً، تحيط به اشجار البتولا ذات اللحاء الثلجي واشجار الصنوبر العالية بسيقانها المستقيمة، التي تغري إلهَ المطر المستوي على عرشه فوق السحاب فيذرف دموعه عليها معظم ايام السنة، خضرتها الدائمة وكثافتها تخفي المبنى عن الانظار.
كان من بين اللاجئين ما يقرب الستين من مختلف البلدان العربية وخاصة من فلسطين ولبنان وسورية، أما من العراق فلم يتجاوزوا الخمسة عشر، معظمهم من من اليساريين المناهضين للنظام المرغمين على الهجرة، كما أن اغلبهم تجاوزوا العقد الرابع من العمر، الآخرون المتعاطفون مع النظام شباب مفتولي العضلات متحفزون دوما لأي صدام، المشاكل الاقتصادية ـ الاجتماعية والسياسية التي هاجرت معهم، بالاضافة الى القلق الشديد بسبب طول فترة الانتظار للحصول على حق الاقامة في بلد اللجوء والخوف من الرفض، كل ذلك جعل من وضعهم النفسي والعصبي كبالون الهواء القابل للانفجار في اية لحظة.
العراقيون كذلك يعانون من نفس المشاكل وربما اكثر، فجميعهم حُرموا من أهلهم وعوائلهم واطفالهم لسنين طويلة ومنهم من فقد اهله، ولكنهم كانوا اكثر هدوءً وادراكاً لما يجري في بلدهم وانعكاسات ذلك على العلاقات في المعسكر، لذا قرروا أن يبتعدوا عن اي نقاش سياسي مع المتعاطفين الذين حاولوا أن يستفزوهم ويخلقوا حالة صدام قد لا تُحمد عُقباه، كانت عيونهم تتلصص وآذانهم تتنصت حتى لطنين الذباب، كلماتهم حركاتهم تجمعاتهم متوارثة من انظمتهم البدوية،
يتزاحم الجميع في قاعة المطعم ثلاث مرات في اليوم، فيزداد التوتر مع قعقعة الملاعق والسكاكين والشوَك والهمهمات والتعليقات على الاخبار الساخنة، التي تتتفنن بها الفضائيات ذات النقل المباشر، حيث تُجيد دس السم للتلاعب بعقول المشاهدين.
تعنت النظام ورفضه الانسحاب من الكويت، خلق حالة من الشعور المزيف بالرجولة والبطولة القومية، وأن النصر على الاعداء لا يتطلب سوى فتل الشوارب والردس في ساحات الوغى على انغام "بالروح بالدم نفديك..." مع لمعان السيوف والخناجر.
استعراض عسكري امتلأت به شاشة التلفاز الكبيرة،" القائد الضرورة المنصور بالله" يحمل بندقية طراز قديم (برنو) يطلق رصاصة في الهواء مع ابتسامة صفراء، عاصفة من التصفيق والهتافات تهزّ فضاء قاعة المطعم، صرخ احدهم:
ــ "هذه صواريخ الحسين والعباس ستدمر امريكا واسرائيل...!!"
العراقيون يراقبون بصمت وهدوء، وتنتابهم حالة من الخوف والحزن الشديدين لما سيتعرض له شعبهم، من قتل ودمار اضافة لما ورثه من كوارث الحروب السابقة، مسؤولو المعسكر وسلطات البلد لم يكترثوا لخطورة مايجري.
في ليلة الهجوم المتوقعة، كان الجميع في حالة إستنفار وقلق وتوتر متصاعد ينتظرون لحظة الصفر، النقاشات والتوقعات متناقضة ومتسارعة، اتفق العراقيون على البقاء في غرفهم وغلق الابواب تحاشياً من الصدام الذي اصبح قاب قوسين، بعد منتصف الليل علا الصراخ في الممرات وتعالت اصوات الهتافات واهتزّ المبنى على وقع الدبكات، انها لحظة الهجوم المروعة.
قررتُ كسر الاتفاق، ربما نوع من التحدي والاثبات للآخرين بأن العراقيين ليسوا جبناء، خرجت من غرفتنا وتمشيت بهدوء في الممر الطويل، ثم مررت بالقرب من الحشد الملتهب، عيونهم كادت أن تقفز من محاجرها عندما شاهدوني، شعرت بأن اللكمات ستنهار عليّ، صراخ التمجيد"بالبطل القائد" اختلط مع رائحة عرق اجسادهم، واصلت المسير بهدوء الى نهاية الممر ثم عدت الى الغرفة واغلقت الباب، لامني بعض الاصدقاء على هذه المجازفة.
في صباح اليوم التالي كان الجمع كثيفاً في المطعم، رائحة البارود المنبعثة من شاشة التلفاز امتزجت مع رائحة الطعام، دخان الحرائق المنتشرة في بغداد تسرب من الشبابيك الى الغابة، صوت الانفجارات الهائلة ارتجت لها الجدران، دبّ الرعب في العيون الزرق لعاملات المطعم الشقراوات، صورة الجحيم الهوليودية ارتسمت على سماء بغداد، ارتفعت هتافات النصر في القاعة، لم اتمالك نفسي حيث تفجر الغضب مصحوبا ًبالالم في قلبي وأنا أعايش دراما كوميدية شيطانية، ضحاياها بشر ارغموا على دخول مسرح الأحداث، كنت ادرك أن القوم يرددون شعارات فارغة لأستعراض البطولات المجانية الزائفة!، قررت أن أسحب البساط من تحت اقدامهم، وقفت في منتصف القاعة موجها كلامي للحضور من الردّاحين وبصوت عالي قلت:
ــ "جميل ومفرح وتثير الأعتزاز مشاعر التضامن القومي، ولكي يقترن القول بالعمل البطولي، أنا اساعدكم في جمع اسماء المستعدين للتطوع والسفر الى العراق للقتال، سأتصل بالسفارة العراقية لترتيب الجوازات والسفر المجاني، فمن يتطوع منكم؟"
ــ "...........!!!"
ساد الصمت بين جدران المطعم...!!
اصاب القوم الخرس لم يتوقعوا مثل هذه المفاجئة، حتى مذيع الجزيرة اوقف البث قليلا بسبب خلل فني طاريء؟ طأطأ الأبطال برؤوسهم وانسحب البعض من القاعة! التفتّ الى ذلك الرجل الكبير المسكين وقلت له:
ــ"أين صواريخ الحسين والعباس، ماذا تنتظر وقد دُمّر العراق!"
جمدا فكّاه وانحشرت لقمة الطعام في فمه!
توالت مشاهد الدمار على شاشات النقل المباشر لليوم الثالث والرابع...وكان المشهد المريع للمجزرة، التي تعرّض لها الجيش العراقي على طريق الكويت اثناء انسحابه بلا غطاء جوي، اللطمة الحاسمة على وجوه الطبالين المخدوعين وربما منهم بعض المنتفعين.
احلام النصر اختلطت مع سراب الصحراء الممتدة خلف خيمة صفوان، جلس الجنرال المنكسر امامهم، بجثته الضخمة المدللة وشواربه الكثة المهدلة ليوقع على صكّ الهزيمة!
بعد الاحتلال الثاني والهزيمة القاضية لأصحاب الشوارب والعنجهية القومية، التقيت بالصدفة في وسط العاصمة ستوكهولم، بأحد المهاجرين الذين كانوا معنا في معسكر هيديمورا وسألته بعتاب:
ــ"ماذا قلنا وحذرنا وماذا جرى للعراق؟"
أجاب مُطأطأً رأسه:
ــ "نحن كنّا مغفلين"!!!
عبد الرضا المادح
2014.11.20
* هيديمورا: مدينة سويدية صغيرة تقع شمال العاصمة ستوكهولم في منطقة دالارنا.