القاهرة
في أحد ضواحي القاهرة، قادتني المصادفة إلى اكتشاف كنزٍ فني عراقي نابض بالحياة، إبداعٌ لا يُقاس بقيمته المادية بقدر ما يُقاس بما يحمله من روح وذاكرة وتاريخ. هناك، في المنطقة الصناعية المعروفة بـأبو رواش، يقف مسبك الآلوسي شاهدًا حيًا على قدرة الفن على عبور الجغرافيا، وتجاوز الغربة، وصناعة حضور عالمي من قلب المهجر.
ما إن تطأ قدماك عتبة المسبك حتى تستقبلك رائحة الفن، متغلغلة في كل زاوية من زواياه. وعلى الرغم من المساحة الواسعة للمكان، إلا أن كل شيء فيه موضوع بعناية وإتقان، وكأنك تسير في فضاء مدروس بعين فنان. تنتشر التماثيل والمجسّمات والأعمال النحتية في الممرات والدهاليز، فيما تتحول القاعات الداخلية إلى معرض دائم، بل إلى متحف مفتوح للإبداع، تصطف فيه التحف الفنية بتناغم بصري يعكس ذائقة جمالية عالية وخبرة عميقة في التعامل مع الكتلة والفراغ.
حكاية التأسيس: أخوان عراقيان وخبرة تمتد لثلاثة عقود، لكن ما قصة هذا المسبك؟ ومن يقف خلف هذا المنجز الفني اللافت؟
إنه ثمرة جهد مجموعة من الفنانين العراقيين، يتقدمهم الشقيقان الفنانان أنس الآلوسي وصهيب الآلوسي، المنحدران من عائلة فنية عريقة. ووفقًا لكتيّب المسبك، فقد تأسس عام 2008، مستندًا إلى خبرة متراكمة في تكنولوجيا النحت تعود إلى عام 1991، اكتسبها المؤسسان مع الفنان ناطق الآلوسي خلال عملهما في العراق، إلى جانب دراستهما الأكاديمية في أكاديمية الفنون الجميلة – جامعة بغداد، حيث تخصصا في فن النحت، وتكبير الأعمال، وسبكها بمادة البرونز.
من الهجرة إلى العالمية رحلة التحدي وبناء الأسم
وبسبب تعثّر الحركة الفنية في العراق آنذاك، وشحّ الخامات وقلة فرص العمل، وجد الأخوان نفسيهما مضطرين إلى الهجرة نحو مصر، ليبدآ تنفيذ مشروعهما في القاهرة، مشروعٌ بدأ بخطوات متواضعة، لكنه سرعان ما شق طريقه بثبات، ليتحوّل إلى اسم فني معروف، لا في مصر والعراق فحسب، بل في عدد من الدول الأوروبية، وصولًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نفّذ المسبك أعمالًا لفنانين عالميين.
طريق شاق نحو الإتقان: تكنولوجيا السبك وصناعة التميّز
لم تكن هذه المسيرة سهلة، ولم يكن الوصول إلى هذا المستوى من الإتقان والحرفية والسمعة الدولية أمرًا عابرًا. فقد واجه القائمون على المسبك تحديات جمّة، غير أن روح التحدي، والحماس، والإيمان العميق بقوة الفن، كانت الدافع الأساسي للاستمرار وتحقيق النجاح. إنها رحلة طويلة، خصوصًا في ظل التطور المتسارع لتكنولوجيا السبك، التي تتطلب متابعة مستمرة، واطلاعًا دائمًا، وتدريبًا متواصلًا لمواكبة أحدث التقنيات.
وقد أسهم الاطلاع على تجارب وخبرات فنانين كبار في تعزيز تميّز المسبك، ليصبح قادرًا على التعامل مع مختلف أنواع القوالب، وإنجاز أعمال نحتية باستخدام مواد متنوعة. ويقف خلف هذا العمل طاقم من النحاتين المحترفين، ذوي الخبرة الطويلة، إلى جانب طاقات شابة متحمسة، يعمل الجميع بروح الفريق الواحد. وكان للدعم المعنوي من العائلة والأصدقاء الفنانين أثر بالغ في ترسيخ مكانة المسبك والارتقاء به.
صهيب الآلوسي يتحدث: الفن، التحديات، والطموح
في أرجاء هذا الفضاء الإبداعي، التقينا بالفنان صهيب الآلوسي للحديث عن مراحل التأسيس والصعوبات والطموحات المستقبلية.
يقول:
«بعد إغلاق المسبك الحكومي في العراق بسبب الحصار وتعثّر الأعمال، قررنا السفر إلى مصر. بدأنا عام 2008 في مكان مستأجر، واستمررنا فيه حتى عام 2022، ثم انتقلنا إلى هذا الموقع الواسع. واجهتنا صعوبات في كل مرحلة؛ من اختلاف أسماء الخامات، إلى نقص الخبرات لدى فريق العمل، مرورًا بالروتين الإداري والحصول على الموافقات. لكننا استطعنا توفير المواد الخام وتدريب العمال. ليس من السهل أن تبدأ مشروعًا في بلد غريب، غير أن الثقة بالقدرات والإيمان بأهداف المشروع هما ما يمنحك الاستمرار».
ويضيف: «كان أول تعاون لنا في مصر مع الفنان المصري الكبير ناجي فريد، ومنه انطلقت مسيرتنا. طموحنا يتمثل في الارتقاء بالذائقة الجمالية، من خلال تصميم ونحت أعمال تعتمد على خامات متعددة، أبرزها البرونز، إلى جانب دعم الفنانين، لا سيما الشباب، ليكونوا امتدادًا للفن العريق في الشرق الأوسط والوطن العربي».
لماذا يختار الفنانون الأوروبيون مسبك الآلوسي؟
وحول لجوء فنانين أوروبيين إلى تنفيذ أعمالهم في المسبك، يوضح الآلوسي: ((للأسف، فن النحت يشهد تراجعًا في أوروبا. ورغم تطور السباكة هناك، إلا أن التعقيدات الإدارية، وكثرة الموافقات، والرسوم المرتفعة، تجعل العمل مكلفاً وصعباً)). ويؤكد أن المسبك، رغم رسالته الفنية، هو مؤسسة ربحية، إذ لا يمكن الاستمرار في دعم الفن دون وجود مردود اقتصادي يضمن ديمومة العمل.
الخامة أولًا: صناعة الأدوات وتطويع الإمكانيات
وعن توفير الخامات والمعدات، يشير الآلوسي إلى أن العديد من الأجهزة صُنعت داخل مصر وتحت إشرافهم المباشر، بما في ذلك مكائن اللحام والضاغطات، بينما تُستورد بعض الأفران، مؤكدًا أن السوق المصرية توفر معظم المواد الخام اللازمة لإنجاز الأعمال.
رؤية المستقبل: بين الأزمات واستمرار التوسع
((سوق الفن يتأثر بالأزمات كغيره من الأسواق. مررنا بفترات صعبة شملت أزمات سيولة ونقص خامات، لكن مسيرتنا، بشكل عام، تشهد توسعًا وتطورًا مستمرين)).
العراق حاضر في الطموح… وغائب في التنفيذ
وعن التعاون مع العراق، يقول بأسف: ((حاولنا مرارًا فتح قنوات تعاون مع جهات عراقية رسمية، لكن تشتّت القرارات في العراق حال دون تنفيذ أي مشروع فعلي، رغم وجود حماس في بعض الأحيان. ومع ذلك، ما زلنا نطمح إلى دعم الفنانين العراقيين وتنفيذ أعمالهم)).
الهوية البصرية للشرق الأوسط… الفن بوصفه شاهدًا على الحضارات
ويختتم كتيّب المسبك بالقول: ((إن المحافظة على الهوية الفنية والبصرية لمنطقة الشرق الأوسط والوطن العربي تُعد من أولى الأهداف التي تسعى إليها برونز العالمية، انطلاقًا من نشاطها في منطقة غنية بالحضارات، كان فيها الفن التشكيلي شاهدًا وراويا لتلك المنجزات عبر العصور، من خلال تماثيل وجداريات خالدة تحكي قصص شعوب ضاربة في عمق التاريخ».
خاتمة:
مهما طال الحديث، يبقى عاجزًا عن الإحاطة بحجم هذا المنجز الفني المتكامل، غير أن ما يمكن الجزم به، أن مسبك الآلوسي يمثل نموذجا مشرفا للإبداع العراقي في المهجر، وتجربة فنية تستحق الوقوف عندها طويلًا، وهي رسالة للمسؤولين العراقيين لفتح صفحة من التنسيق والدعم والتعاون معهم.
تحية تقدير للقائمين عليه، مع أمنياتنا لهم بمزيد من التطور، والنجاح، والتألق الدائم.
بعض الصور من أجزاء المسبك:
