الحدث الروائي يعتمد على منصات رمزية وفكرية متنوعة التعبير , وتكوين الصياغة التعبيرية بشكل بليغ في المعنى والمغزى , وكذلك على أنواع مختلفة من التناص , في براعة الابتكار في الصياغة الحديثة في سياق الحدث وتكوينه , براعة في الانزياح من عمق التاريخ القديم , وجره الى متطلبات المرحلة الحالية, وواقع الحياة الفعلي , اي انها براعة في خلق صياغة التناص ونسجه بصياغة حديثة في التعبير , والرؤية الفكرية الناضجة والمدركة لواقع الحال , من سورة أهل الكهف , الى الموروثات التاريخية والشعبية والفنية , لتصب هذه المكونات أو المنصات في الحدث الفكري الدال على احداث واقعنا ومجرياته الحالية , اي اننا ازاء سيميائية ( علم الدلالة والاشارة ) بشكل واسع الأفق والتعبير , رغم ان الحدث الروائي وشخصياته تتحدث عن العصر العباسي , ولكن دلالته تدل على الواقع الحديث في زمانه ومكانه , هي بغداد المدورة ومحافظة ذي قار , التي شهدت أحداث عاصفة من درامية الصراع الدموي في الفترة الاخيرة , التي اتخذت شكل العنف الدموي والقتل الموت الطائش والمجاني , في المواجهة الحادة بين شباب مثقف وواعي يدرك حقوقية متطلباته المشروعة , في العيش الكريم وحياة آمنة ومستقرة , في ظل تحقيق العدالة الاجتماعية , وحياة بلا عنف وإرهاب , نجد آلة القتل والموت باسلحة حديثة وفتاكة ومتطورة حديثاً , وليس اسلحة العصر العباسي , السيوف والرماح والنبال , وتناص اهل الكهف ليس في صيغته الدينية المذكورة , ولكن بصيغة حديثة , نفسية وسيكولوجية , اي الخروج عن صومعة الصمت والتقوقع الى النهوض والمطالبة والرفض , وحالة التذمر من البطش والتنكيل ضد الناس الابرياء , لا تستند الى قانون ونظام وشريعة , بل تنتمي الى العنف المفرط من اجهزة النظام الطاغي , الذي يعتمد على القوة القمعية من الشرطة أو العسس , في مواجهة الغليان الشعبي في مطالبه العادلة , في مواجهة الشباب المتمرد , الذي يصر على مواصلة مطالبه المشروعة , رغم الارهاب والبطش , الحدث الروائي يعتمد على حكايات يرويها الحكواتي , يسردها في المجالس والمقاهي , تقول , بأن هناك شبان سبعة بدو مع كلبهم الثامن , يخرجون من صومعة الكهف ويواجهون القتل من قبل العسس , واحداً تلو الآخر حتى كلبهم الوفي والحارس الامين , لم يسلم من القتل والموت , هؤلاء الشبان السبعة , هم طلبة العلم والفكر والدراسة , مسالمين لا يحملون إلا الخير والفكر الحر , واسمائهم هي عنوان الجمال في البشر والطبيعة , بما اكمل الله من خلق من جمال , الذي يفيد البلد والناس بالخير , في خصب ثمارهم الجميلة , وتبدأ اسماء الشبان السبعة حسب ترتيب خلق الكون والبشر في رقم سبعة , واسمائهم ( جميل . حلو . نور . ضياء . نهار . قداح . ريحان وكلبهم الثامن الجميل ذو الشعر الابيض ) . هؤلاء الشبان السبعة , كل يوم يخرج واحد منهم من الكهف الى الخارج الى السوق والمدينة ( بغداد المدورة ) لطلب الخبز والماء , يصحب الكلب الوفي معه , لكنه يتعرض للقتل والموت من قبل الشرطة أو العسس , وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبراً , بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة ربما تعود لشاب بدوي , والشرطة تجري تحقيقات لمعرفة أسباب القتل , ولكي تعرف على البيانات الكاملة , هذه الصيغة ذكر الحدث المأساوي , تتكرر مع كل شاب من هؤلاء الشبان السبعة , يواجه مطاردة الشرطة او العسس حتى تتمكن من قتله أو قطع رأسه , و تتنصل من جريمة القتل والاتهام , البعد الرمزي والفكري في خروج الشبان السبعة من الكهف , الى طلب الطعام والماء , يعني مطالبة الباب بالعيش الكريم وحياة مستقرة وآمنة بدون عنف وارهاب , تعني هذه الدلالة الرمزية , بأن الصراع بين الخير والشر هو ازلي منذ العصور القديمة الى عصرنا الحاضر , الصراع بين الجمال والقبح مستمر ويدور ويتشكل بأوجه وصفات مختلفة ومتنوعة , الصراع بين الفكر الحر النبيل , وعقلية الإرهاب والقتل تظل حية وقائمة وتشتد اكثر عنفاً في كل زمن , مثلما نجده في واقعنا الحاضر , قوائم وركائز الصراع القائم حالياً بين العدل والباطل , الأول يملك العقل والوعي والإدراك والمحاججة والحوار , والثاني يملك لغة السلاح الفتاك , ولكن عندما يوجد ظلم وحرمان توجد ردة فعل بالرفض والتمرد والمقاومة بشكل طبيعي , وعلمتنا تجارب التاريخ , بأن اصحاب العلم والفكر التنويري والحر , هم ضحية الانظمة الطاغية , وعلمنا التاريخ والقديم , الكثير من شهداء الحق والكلمة الحرة , فهم مطاردون نصيبهم الاعتقال والسجن والموت من الشرطة المغولية ( خرجت مفرزة العسس من بناية المكتبة المركزية يتقدمهم آمرهم المقدم , فيما هم يكبلون ايدي الشبان السبعة ويغطون رؤسهم بأكياس قماشية سوداء , لا يرى منها شيئاً , وقد وضع كل عسس يده الاخرى على رأس شاب من الشبان السبعة فأحناه , واحنى ظهره , واركبوهم العربة الخشبية وسارت بهم نحو مركز بغداد المدورة ) ص35 , هذا مغزى الصراع من اجل الحرية المفقودة الطريق ,ليس سهلاً , بل معبداً بالدماء والشهداء , التضيحية من اجل الوطن والمثل والمبادئ العليا , تتطلب جهداً وكفاحاً متواصلاً , بجمع صفوف الشعب في كتلة موحدة في الصمود والمقاومة , لذا فأن هؤلاء الشبان السبعة يمثلون كل اطياف الوطن ونسيجه ولحمته الوطنية الجامعة , يمثلون صورة البلد المشرقة والمضيئة , امام الظلام الطغاة , هؤلاء الشبان يمثلون القيم السامية , وصادقون في جهادهم البطولي , بأقدام وثبات , رغم البطش والتنكيل , تضحية الشباب من اجل قضية نبيلة جامعة , هي اروع صور الفداء والتضحية للبلاد .
×× كيف تم قتل الشبان السبعة ؟؟
1- الشاب نور : يخرج من الكهف وينزل الى سوق المدينة , برفقة الكلب الوفي , لشراء الحاجات الاساسية , الطعام والماء , كأنه يطالب بحقوقه الاساسية في العيش الكريم , الخبز والحرية والسلام , وينزل الى شوارع بغداد المدورة , بغداد الحديثة من الاسمنت والشوارع المبلطة , وحركة السيارات والمارة , لكنه يواجه العسس في منع شراء رغباته , وتطارده في سياراتهم , حتى دهسته وارتدته قتيلاً , وفي اليوم التالي : تنشر الجريدة المحلية خبراً , مفاده , بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة لشاب بدوي في احد الشوارع , وتجري التحريات والتحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الموت , ومعرفة البيانات الكاملة .
2 - الشاب جميل : يتذمر من حالة الناس في محاصرة الحياة وخنقها , ويحزن مع رفاقه بخسارة صديقهم نور , في دهسه في سيارة العسس , رغم انه شاب مسالم طالب العلم والدراسة , لقد غادر ( جميل ) المكتبة المركزية الى المدينة , كأنه غادرها الى المجهول ولن يعود .. بقية الشبان يحذرون ( جميل ) من العسس , أن يكون حذراً , لان اجراءات الارهاب صارمة بالقتل والعنف, وجعلوا المدينة في حالة خوف ورعب , وتساءل مع نفسه ( هل هناك أزمة بين الناس والشرطة ؟ أم أن كلمة أزمة كبيرة على هذه العلاقة ؟ أم أنها كانت ملائمة لتوصيف هذه العلاقة ؟ ربما كانت هي كذلك ) ص73 , واوقفه المارة في اخباره عن مصير صاحبه , فقالوا ( اذا كنت تبحث عن صاحبك فقد دهسته سيارة , ومات , وجثته في مركز البلدة ) ص74 . وفجأة سمع لغطاً مدوياً كأنه كالرعد القاصف , وفجأة توقف كل شيء , برصاصة طائشة اخترقت ملابسه وجلده واستقرت في قلبه , ليسقط قتيلاً يسبح في دمائه , وهو يلفظ انفاسه الاخيرة , هكذا بكل بساطة قتل الشاب ( نور ) بسلاح الشرطة المسدس , وليس بسلاح السيف والرمح والنبال , وفي اليوم التالي : نشرت جريدة المحلية خبراً , بأن ( الشرطة عثرت على جثة شاب متوفى , يعتقد بأنه شاب بدوي , والتحقيقات مستمرة لمعرفة البيانات الكاملة ) ص80 .
3 - الشاب حلو : يخرج من الكهف الى مكتبة المدينة , وهو في حالة حزن عن فقدان أصحابه ( نور وجميل ) بالموت المجاني , رغم أنهما كرس حياتهما للعلم والدراسة والفكر ولكل شيء جميل في البشر والطبيعة , في صفاتهم الصدق والنزاهة , وقول الحقيقة والحق , لكن الحياة تطارد كلمن يحمل في قلبه جميل , وكل منْ يطالب بالحق والحقيقة ويقولبحسرة ( - أهكذا كتب عليناان ننهي حياتنا, ونحن نودع بعضنا البعض ؟ ) ص80 . , أهكذا تكون الحياة رخيصة بلا ثمن, كأن لا قيمة لحياة . , وجد نفسه محاصراً من قوات العسس , تراجع الى الوراء , حاول التخلص من محاصرتهم , لكن طاردوه حتى فتكوا به بقطع رأسه أمام عيون الناس , سقط على الأرض يسبح في بركة من الدماء , وسط احتجاج الناس لهذه الوحشية الدموية ( - الله أكبر , لقد قتل حلو , هذا الذي احلى من عسل نحل البرسيم الصافي وكان ذكياً في درس الفلسفة , فكيف يموت ؟ ولماذا يموت ؟ وعلى أي شيءٍ يموت ؟ ) ص88 . . وفي اليوم التالي كالعادة , نشرت الجريدة المحلية , خبراً مفاده , بأن الشرطة عثرت على جثة شاب يعتقد انه بدوي مقطوع الرأس, وان التحقيقات جارية على قدم وساق لمعرفة الأسباب والبيانات الكاملة.
هكذا تدور نوائب الموت تخطف الشبان السبعة بالموت المجاني , حتى لم يسلم كلبهم من الموت , كأنها عملية مسح آثار الجرائم التي ارتكبتها قوات العسس و والتنصل منها , بالتلفيق الكاذب والمتعمد , بهذا الصراع الدموي العنيف , امتلئت ثلاجة الطب العدلي بجثث الشبان ( كانت جثث الشباب المتوفين مكدسة في ثلاجة الموتى كوديعة ) ص109 . , ولكن رغم العنف الدموي , فأن الشباب يواصلون التحدي والمقاومة , لأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة , هي قضية الناس والبلاد , وهتافهم المركزي ( بالروح بالدم نفديك يا عراق ) ص117 . وان يكون العراق للعراقيين وليس لغيرهم , وان الحرية المفقودة طريقها صعباً ( لم يكن طريق الحرية سهلاً يسيراً ) ص134 . ولكن الحياة تتجدد وتحيا من رمادها .