كعادتي بين فترة واخرى وبدافع الشوق للمكتبة العامة في منطقة سكني، تحملاني قدماي اللتان أنهكتهما قسوة الزمن، فأصبحتُ أسيرُ كسلحفاة ضلّت طريقها في غابة، في قاعة المكتبة بدأت أقلب عناوين الكتب المرصوفة على الرفوف الأنيقة فوقعت عيني على أسم صديقي العزيز والكاتب القدير (علي بداي)، يا للمفاجأة الجميلة، فأنا ومنذ زمن طويل أتمنى الحصول على مؤلفاته، وها هي روايته "حروب مالك الحزين" بين يديّ فسارعتُ لإستعارتها.

الرواية من 274 صفحة، إصدار دار ميزر في السويد عام 2021، لوحة الغلاف للفنان الصديق ساطع هاشم.

الرواية تحكي حياة إنسان لاجيء من بلد شرقي دافيء المناخ جاف ساخن العلاقات حد إسالة الدماء، إلى بلد الأمان والبرد والاحلام الجميلة هولندا "الغريبة التي يجهل كل ما بها. لم يكن دربه سهلاً، اقترب من ضفاف بحيرة الموت المخيفة مرتين مرضاً وجوعاً" وقد عانى خلال الرحلة الطويلة من التشرد والضياع...!

عندما وطأت قدماه أرض التمدن وحقوق الإنسان...، تصور للوهلة الأولى أن كل مشاكله قد حُلّت وستتحقق كل أحلامه الوردية...؟! هذا الوهم السرطاني يشارك به الملايين من اللاجئين والمهاجرين، قبل ان تصدمهم الحقائق عند أول جلسة تحقيق في دوائر الشرطة...!

رغم صُدقه وتقديمه روايته للمحققين بلا مبالغات بأنه كان مُعرّض للموت بسبب الصراع الطائفي الهمجي، وبعد أشهر طويلة من الإنتظار القلق، تم رفض طلبه للجوء وعليه الإنتقال ألى أحد المعسكرات لحين الترحيل إلى وطنه، وهنا يبدأ فصل جديد من الصراع ومحاولة الهروب من حبل المشنقة المعلق في ذهنه والذي يلاحقه في كل زاوية مظلمة يلجأ إليها، عليه كما الآخرين الذين رُفضت طلباتهم، تدبر أمره والسفر لبلد آخر لطلب اللجوء من جديد، العملية تتطلب المال والجواز المزور وهو لا يملكهما حالياً سوى ورقة يتيمة من فئة المئة يورو، عليه الهرب قبل التسفير من معسكر اللاجئين الشبيه بزريبة للحيوانات، والبحث عن طعام ومنام وحمّام...! وهي أبسط مقومات البقاء على الحياة، الطقس البارد يجبر الإنسان المشرد أن يحشر جسده في أي مكان يقلل من شدة البرد ويُبعده عن دوريات الشرطة التي تبحث عنهم، فكانوا اللاجئين يسترون ويُدفؤون أجسادهم بعلب الكارتون في زوايا الأبنية وتحت الجسور، بل كان بعضهم ينام في حاويات الأزبال ويقتات على ما يعثر عليه من بقايا الطعام، مالك الحزين كان الأكثر محظوظاً عندما عثر قرب أحد الأسواق على حاوية للخضروات التي سترت جسده وسدّت جوعه لأيام...!

هذا المشهد في الرواية صدمني وهزني من الأعماق، بلدان الحضارة والرفاه والتي تسرق خيرات الشعوب، تجبر أبناء هذه الشعوب عندما يلجؤون إليها على العيش بذل ورعب فوق التصور...!

واحدة من معارك مالك الحزين التي حقق فيها نصر مؤقت، أن تعرّف بغير إرادته في ورشة للسيارات، على إمرأة عجوز ثرية متصابية (ماركيتا)، التي آوته في منزلها لفترة فَتنعّم مالك بالطعام والمنام والحمّام...! كما حاولت إستغلال ظروفة لتستدرجه إلى أحضانها فطار فكّيها بضربة عفوية من مالك، فأصابه الرعب و ولّى هارباً تاركاً النعيم خلفه.

ظاهرة النساء العجائز الأوربيات اللواتي يصطادن المهاجرين الشباب معروفة في دول اللجوء!

في المطعم الذي لجأ اليه للعمل الغير رسمي لغسل الأواني والتنظيف، إستمع بالصدفة وعن غير قصد لتفاصيل حادثة روتها الشابة الشقراء (دورين) لصديقتها عن عملية إختطاف والدها في بغداد، هنا بدأ ذكاء مالك المتعلم والمثقف يتفجر، لتوظيف الحادثة ليس للإستغلال والكسب وإنما لإنقاذ رقبته من حبل المشنقة بغريزة الصراع من أجل البقاء.

هنا أتوقف عن الإستعراض لكي لا أحرم القاريء من التمتع بأحداث ومفاجئات الرواية الجميلة.

الرواية محبوكة بذكاء ولغة مشوقة تعكس معاناة إنسانية كبيرة، أرى من الضروري ترجمتها إلى لغات الدول الأوربية وأن تقدم نسخ منها إلى وزراء وموظفي دوائر الهجرة، ليتعرفوا على أثر قراراتهم المجحفة بالرفض لطلبات اللجوء، من بشر أجبرتهم الظروف القاسية ومخاطر الموت على الهرب إلى مصير مجهول.

أنا كاتب المقال أيضاً عشت ولا أزال تجربة الغربة القاسية، ولكن بتفاصيل أقل وطأة وأفضل حظوظاً، ما جعلني اشعر بعمق بحجم المأساة التي عاشها بطل الرواية.

فيا مالك الحزين لا تحزن فكلنا في الهوى سوى ولكل مأساة نهاية...!

 

عبد الرضا المادح

2026.04.22