الفنان التشكيلي عمر العاني من مواليد 1976 في الرمادي/ محافظة الأنبار، تلقّى بداياته الفنية على يد الخطاط عماد عزيز، حيث اكتسب حسًّا فنيًا وأبجديات
الخط العربي. التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1991، ليطوّر تجربته الفنية ويؤسس لمسيرته التشكيلية.
- سألناه: لماذا اختطّ عمر العاني مسار الخط وليس الرسم أو النحت؟ وكيف تجد مستقبل هذا اللون الفني...؟
- لقد اخترت مسار الخط لأنني وجدت فيه طاقة حركية لا يملكها الرسم التشخيصي، وثباتًا لا يملكه التجريد المحض. في الغربة، تصبح الهوية عبئًا إذا ظلّت سجينة القواعد الكلاسيكية، لذا قررت أن "أفكّك" هذا الحرف، وأن أعيد بناءه ككيان عضوي يتنفس. أنا لا أخطُّ الكلمة لأُسمعك صوتها، بل لأريك روحها. حين أرسم "الواو" أو "النون"، أنا لا أكتب حرفًا أبجديًا، بل أستحضر انحناءة جسد، أو حركة سحابة، أو ربما تنهيدة مغترب يبحث عن مستقره.
ذكاء الفكرة عندي يكمن في "المراوغة البصرية"؛ فأنا أمنح المشاهد الغربي الذي لا يعرف العربية متعة التجريد الخالص، والتشكيل اللوني الذي يحاكي المدارس العالمية، وفي الوقت ذاته أمنح المشاهد العربي عمقًا وجدانيًا يلمس جذوره. إنها لعبة التوازن بين "الشفافية والعتمة". خلفياتي المائية السديمية هي الفضاء الذي أتحرك فيه بحرية، والكتل الحبرية القوية هي المرساة التي تمنعني من الضياع.
لم أختر النحت لأنني وجدت في مساحة الورقة "نحتًا بالضوء والظل"؛ فالحرف عندي يمتلك ثقلًا وكتلة تبرز من خلال تضاد الألوان. أنا أؤمن أن المستقبل لهذا الفن لا يكمن في تكرار الماضي، بل في جعله لغة عالمية. إنني أصوغ فلسفتي الخاصة التي تقول: إن كان الحرف وعاءً للغة، فأنا جعلته فضاءً للحرية.
- هل لك أسلوب خاص بك للتعامل مع الحرف العربي؟
أسلوبي هو "حوار الصدفة المنظمة"، حيث أترك للون حرية الانسياب، لكنني أتدخل في اللحظة الحاسمة بضربة قلم حازمة تعيد للعمل توازنه، تمامًا كحياة المغترب؛ فوضى من المشاعر تضبطها إرادة البقاء والتميز.
- ما هي المشاعر التي تتدفق لديك مع كل حركة حرف ترسمه؟
- أنا لا أرسم لأشرح هويتي للآخرين، بل أرسم لأكتشف هويتي أنا في كل انحناءة مداد، ولأثبت أن الفن الحقيقي هو الذي يجعلك تشعر بالوطن حتى وأنت في أقاصي الشمال البارد، مستخدمًا حرارة اللون وعنفوان الحرف كدفاع أصيل عن الذات.
- كيف كانت البدايات؟
- بدأت رحلتي من قلب بغداد، في أروقة معهد الفنون الجميلة، حيث كانت الحروف والزخارف تُدرّس كعلمٍ مقدّس وهندسة للروح. هناك، وتحت إشراف الأستاذ الكبير حيدر ربيع ونخبة من الأساتذة المبدعين، لم أتعلم رسم الحرف فحسب، بل تشربتُ "سيكولوجيا اللون" وكيمياء التكوين. كانت تلك المرحلة هي مرحلة صياغة "المثلث الذهبي" في وجداني: صرامة الخط، ودقة الزخرفة، وحرية التخطيط اللوني.
- كيف تتعامل اليوم وأنت في الغربة فيما تتلمذت عليه أكاديمياً والفضاء الجديد الذي يحيط بك؟
- إن التأسيس الأكاديمي الرصين منحني "الشرعية الفنية" للتمرد لاحقًا؛ فأنا لم أكسر القواعد جهلًا بها، بل فككتها لأنني ملكتُ بعضًا من أسرارها. حين انتقلتُ إلى فضاء المغترب، تحولت تلك القواعد البغدادية من قيود مدرسية إلى "هوية بصرية عابرة للحدود". استبدلتُ ميزان النقطة التقليدي بميزان الإحساس، وحوّلتُ الزخرفة من إطار تزييني ساكن إلى عمق فلسفي صاخب، لتمتزج أصالة التكوين بجرأة التجريد في صياغة بصرية واحدة جعلتني أعرف كيف أُطوّع التاريخ ليخاطب الحداثة.
- ما هي المعارض التي شاركت فيها؟
- بدأت رحلتي الاستكشافية من بغداد، حيث كانت منصات العرض هناك الاختبار الحقيقي الأول، والشرارة التي أطلقت مسيرتي في المشاركات الفنية الفاعلة. ومع انتقالي إلى أوروبا، تُرجم ذلك عبر حضوري في محافل فنية متنوعة شملت ألمانيا، السويد، وفنلندا.
هذه المشاركات المشتركة، التي جمعتني بجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، والتي تضم نخبة من المبدعين، كانت محطات غنية أثمرت عن جوائز وتكريمات عديدة؛ كان أبرزها التكريم المعتزّ به من قبل السفارة العراقية، وكذلك السفارة القطرية. وفي سياق هذا التعاون الدبلوماسي والثقافي، وتزامنًا مع احتفالات اليوم الوطني لدولة قطر، تُوّجت مسيرتي بإقامة معرضي الشخصي الأول في "الصالة المرايا" بفندق كراند هوتيل، ليكون بمثابة إعلان عن نضج تجربتي الفنية وقدرتها على محاورة الجمهور في أرقى المنصات الدولية.
نماذج من أعمال الفنان:
