شهدت العاصمة الفنلندية، هلسنكي، مؤخرًا حفلًا موسيقيًا مميزًا أحيته فرقة (صندوق الموسيقى ما بعد الحداثة) ــ Scott Bradlee’s Postmodern Jukebox ـ
ـ ضمن جولتها الأوروبية (جولة 2026: المستقبل بروح كلاسيكية) التي شملت ثلاث مدن فنلندية كبيرة. الفرقة، التي أسسها عازف البيانو الأمريكي سكوت برادلي (مواليد 1981) في نيويورك عام 2011، تُعرف بتشكيلها المتغير وأسلوبها الفريد في إعادة تقديم الأغاني.
امتد الحفل لأكثر من ساعة ونصف، وشهد إقبالًا كبيرًا، حيث نفدت التذاكر قبل أيام من موعده، علمًا أن السعة الرسمية للمقاعد تبلغ نحو 1450 شخصًا، وتصل إلى قرابة 1750 مع الوقوف، وسط تفاعل كبير من الجمهور الذي رافق الأداء بالتصفيق والحماس. كما لاقت الفقرات الراقصة والاستعراضات المسرحية المصاحبة إشادة واسعة، لما أضفته من طابع بصري متكامل عزّز تجربة العرض.
وفي الحفل، قدمت الفرقة عرضًا استعراضيًا أعادت خلاله توزيع أغانٍ شهيرة حديثة بأساليب مستوحاة من حقبتي العشرينيات وحتى الخمسينيات، مثل الجاز الكلاسيكي والسوينغ والبلوز. وشارك في العرض عدد من المغنين والعازفين والراقصين، في لوحة فنية تحاكي أجواء المسارح القديمة. وتنوّعت الفقرات بين أعمال من البوب والروك، إلى جانب أغانٍ حديثة أُعيد تقديمها بروح "Vintage" ــ عتيق ــ وهو النهج الذي يميز الفرقة. وتفاعل الجمهور بشكل لافت مع العرض، الذي جمع بين الحنين إلى الماضي وإعادة ابتكار الموسيقى المعاصرة بأسلوب مختلف. ويأتي هذا الحفل ضمن الجولة التي تسعى إلى تقديم تجربة موسيقية تمزج بين الأزمنة، عبر إعادة تقديم الموسيقى المعاصرة من منظور تاريخي، في تجربة فنية تجمع بين الماضي والحاضر، وتؤكد استمرار شعبية هذا النمط الموسيقي لدى جمهور واسع في أوروبا والعالم.
الطريف في الأمر أن الحفل أُقيم في مبنى (بيت الثقافة) في هلسنكي، وهو معلم ثقافي ــ وربما سياسي ــ بارز في تاريخ العاصمة وفنلندا. فقد كان المبنى مملوكًا في السابق للحزب الشيوعي الفنلندي (تأسس عام 1918)، قبل أن يفقد ملكيته إثر أزمات مالية وديون متراكمة، ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي، طُرح المبنى للبيع في مزاد، فاشترته شركة تابعة لوزارة المالية. بدأت أعمال البناء في المبنى عام 1955، وافتُتح للعروض عام 1958. ولم تقدّم الدولة أي دعم مالي للمشروع، ما دفع الحزب الشيوعي إلى الاعتماد على التبرعات والعمل التطوعي لإنجازه. ووفقًا للسجلات الرسمية، شارك في البناء أكثر من خمسة آلاف متطوع، بإجمالي يزيد على 130 ألف ساعة عمل، وهو رقم يمنح المكان بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الحجر.
أما المبنى، فهو من تصميم المعماري والفنان الفنلندي الشهير ألفار آلتو (1898–1976)، الذي لم يكتفِ بتصميم القاعة الرئيسة للعروض وملحقاتها من مطاعم ومقاهٍ ومنازع، بل امتدّ إبداعه إلى أدق التفاصيل: الإضاءة، الكراسي، الطاولات، وحتى عناصر الديكور. وكأن المكان، بكل ما فيه، قطعة فنية متكاملة، أو متحف حي لعبقريته.
وفي ليلة الحفل الموسيقي، كأن ثمة مفارقة خفية تلوح في الخلفية: موسيقى تعيد إحياء الماضي داخل مبنى وُلد من فكرة ثورية ــ الثقافة للفقراء الكادحين ــ وتحوّل مع الزمن إلى فضاء مفتوح للجميع. وكأن كل شيء في تلك الليلة: الموسيقى، المكان، وحتى الحضور، كان يعيد تركيب نفسه بصيغة جديدة، دون أن يتخلّى تمامًا عن ماضيه.
