هذا الكتاب الموسوم بعنوان (أوراق سمنان المهملة) للأستاذ المبدع محمد الكحط يثير الجدل بمضامينه المتعددة التي يتقاطع فيه العقل الفعال مع العقل المحض من حيث المحسوس اليومي لمؤلفه الذي كتب أوراقه في معتقل سمنان الإيراني الأسود ثم أكمله بعد تحرره خاصة يحمل الكتاب عدد هائل من الأحداث اليومية بثقل معاناتها، وصورها الاستدلالية، وتناهي أبعادها، فجاء الكتاب بلغة حسنة، واسلوب مبهر يشد القارئ منذ البدء بقراءته لما يحتويه على قدرة الصبر التي تمتع بها المؤلف دون أن ينفد هذا الصبر لأن لو نفد لكان كل شيء في غياهب النسيان، ولم نعرف شيئا عن سر هذه الملحمة التاريخية لثلاثة رفاق، وهم مؤلف الكتاب محمد الكحط، ورفيقيه أزهر المظفر، والسيد هاشم حسين، إذ هؤلاء الرفاق الثلاثة اسهموا في حركة الأنصار الباسلة في النضال ضد الدكتاتورية لا سيما وقد تعرض المؤلف في عام 1987 إلى ضربة السلاح الكيماوي مما أثر على عينيه، فشاءت الأقدار بعد الأنفال سيئة الذكر أن التقى هؤلاء الرفاق في مدينة مشهد الإيرانية ليخوضوا أشرس معركة شرسة مع الزمن القاهر في ظلمته، وليخرجوا في نهاية المطاف أحرارا حاملين فكرهم الإنساني بجدارة، رافعين قيمهم التي تستنطق أسرار التاريخ، وشفرة نضالهم المتواصل أينما كانوا، وفي أي زمن يمر. ذلك تم عن إدراك الحقيقة المثلى في تواصل نضالهم في أي ظرف قاسي لأن عقلهم الناطق بالحق مهيمن على حياتهم مهما واجهتهم الصعوبات القسرية في ظلال اشتباك الأقدار، إذ هم حقيقة مطلقة أن ينجون من هذا الاشتباك في القدر، ليبرهنوا من خلال ملحمتهم إنهم قدرة وصفاء ذهن خالص وجدل ومحاورة وتجربة مريرة فريدة تكاد تكون نادرة مروا بها لوحدهم لها مكانتها في مراتب النظر، وما دراستها إلا عبرة لكل من يبحث عن الخير والحق والفضيلة. كل ذلك لم يكن إلا تمازج العقل الفعال مع المحسوس الوجداني الذي يفرض حكمته المعرفية دون صدمة المفاجأة أو حتى لغز الموت المباغت. نعم، هذا الكتاب الذي صاغه محمد الكحط في معتقل سمنان المرعب المتمثل بالفجيعة الصارمة، والحزن المأساوي يقودنا إلى رحلة بحث وقلق وأسى، فندرك من خلال الكتاب أن القلب مهما كان مسكن الروح بتفاعله مع العقل الفعال ليس إلا أن نتعايش مع أحداث الكتاب خياليا مبحرين بتفاسير تأويلية، وفهم عام وخاص، ونحاور ذواتنا كقراء مفادها أن الرفاق الثلاثة امتلكوا قوة خفية سحرية تجاوزوا بها كل مهالك قوى الظلام. هذا الكتاب يأسر رؤانا أن هؤلاء الرفاق الثلاثة صنعوا أسطورتهم المجهولة، غير المرئية، وغير المتداولة على ألسنة الناس، إذ لولا جهد ومثابرة محمد الكحط في تسجيله هذه المأثرة، لضاعت علينا أهميتها وجدواه خاصة وهي تجسد مأساة عراقية حقيقية التي تلاعبت بها الأقدار بسبب سلطة الاستبداد والحروب اللتين لم يكن لهما معنى، ولا معنى أن يعاني العراقي منهما هكذا، هذا الكتاب هو زبدة ذكريات لحياة معاشة، ومشاهدات ميدانية واقعية، فهذا الكتاب له فضل في معرفة ما حدث في حقب تاريخية من نضال الرفاق الثلاثة، لذا يحتاج إلى قراءته بتمعن، وباع طويل، وتأن لما وارد فيه من دقة المعاني التي تخص الوجود الإنساني كإنسان حاضر لم يشهد تلك الأحداث، وهذا تطلب مني أن اتوقف على دراسة الكتاب بمحاور متعددة:
المحور الأول: إرادة لا تنكسر.
انطلق الرفاق الثلاثة بغية العلاج وأن يحققوا رغبتهم الجامحة أن يواصلوا دراساتهم العليا في الاتحاد السوفيتي أي كل واحد منهم بالاختصاص الذي يهدف إليه، ذلك تطلب دخول أفغانستان ثم العبور إلى الاتحاد السوفيتي، فوضعوا ضوابطا لتحقيق هذه المجازفة معتمدين على أدلاء يقودوهم إلى ذلك، فراحت الرغبة تكبر حينما صعدوا الباص من مشهد متجهين إلى مدينة تايباد الحدودية مع أفغانستان بينما المغامرة جعلتهم صابرين هادئين لأن هدفهم سامي مشبع بشعور لطيف أن يعودوا إلى وطنهم العراق بعد سقوط الدكتاتورية، ويساهموا في بنائه، وازدهاره، فالرغبة والهدف ممتزجان في فهمهم بحاجة الوطن إليهم. هذا جعلهم أكثر إصرارا للمضي قدما، فالحافز لهم متوفر، وهذا ما منحهم شعور الرضا بالمغامرة، لتجاوز ما يواجهونه من صعوبات، فقد أعدوا أنفسهم لذلك مقتدين بالمثل العليا التي يحملونها نحو غاية طلب العلم. نزلوا من الباص في تايباد عندما وصلوا إليها، وكانت تنتظرهم ثلاث دراجات، جلس كل واحد منهم خلف سائق الدراجة، وانطلقوا في طريق تراب، ثم تركوهم لوحدهم عند مزرعة بطيخ منتظرين حلول الغروب، ليأتي دليل، ويقودهم إلى مدينة هرات الأفغانية حيث ينتظرهم رفاقهم هناك.
جاء الدليل، وقادهم إلى الأراضي الأفغانية، وسار بهم في طريق منحرف أي ليس باتجاه هرات مما أصابهم الشك فيه لكن الشك قد لا ينفع بمثل هذه الحالة، فهو الدليل الذي يعرف المكان بدقة ثم بعد مسيرة وجدوا أنفسهم أمام مسلحين بلحايا طويلة تمتد إلى صدورهم، وملابس رثة، وأحذية متسخة، وهم مدججون بالأسلحة، وقد أصبح الآن كل شيء واضح. الدليل سلمهم إلى جماعة إسلامية متشددة بقيادة قلب الدين حكمتيار، فقادوهم تحت تهديد البنادق إلى قبو مظلم تحت الأرض، ينيره ضوء فانوس خافت ثم بدأوا التحقيق معهم بالتهديد والوعيد، فاكتشفوا إنهم وقعوا في عالم الدستوبيا الذي يعج بتجارة الحشيش حيث تمر القوافل محمل بالبضائع إلى الجهة الإيرانية باتفاقات مسبقة، فهذا الاعتقال مخيف، وغير مرغوب فيه، يمزج بين الترهيب والقمع يحكمه الخراب والفوضى والقتل والعنف والمسلحين جهلة مجردين من المعايير الإنسانية، وقد انسلخت عقولهم ، بتلف المحسوسات بالآخرين، وغابت أذهانهم في خرافة لا مثيل لها مما أصاب الرفاق الثلاثة القلق الشديد رغم رباطة جأشهم، وشجاعتهم، وبعد ثلاثة أيام قادوهم في نفق إلى حراس الحدود الايرانية، فاستقبلهم الحراس بالتهديد. تلك كانت عودة إلى إيران، وعودة أيضا إلى مصير مجهول مثيرا للقلق. قيد حراس الحدود الإيراني أياديهم، وعصبوا عيونهم، وأصعدوهم إلى سيارة خاصة ثم سلموهم إلى مركز شرطة، وأودعوهم في زنزانات منفردة ضيقة لا يدخلها الضوء إلا من كوة صغيرة في أعلاها، وقد خضعوا إلى تحقيق مرهق وطويل وقاسي مرات عديدة. بعد ذلك نقلوهم إلى محكمة، فوقفوا في وجه القاضي بجرأة، وهم يتحدون عجرفته غير إنه أرسلهم معصوبي العيون إلى المحكمة الكبرى في سجن إيفين الرهيب المشهور بالموت، فكانوا يسمعون صراخ وأنين المساجين من شدة التعذيب لهم من قبل جلادين لا يعرفون الرحمة، وقد انتزعت من قلوبهم الشفقة، وتمرسوا في ممارسة أنواع وطرق التعذيب البشعة. قضوا يوما واحدا في هذا السجن المرعب، فحكمتهم المحكمة الصورية دون حضورهم بترحيلهم إلى العراق، ليواجهوا الاعدام من قبل السلطة الدكتاتورية. قرار المحكمة لم يكن إلا غطرسة بأرواح مناضلين كانوا قد كافحوا ضد الدكتاتورية من أجل غد سعيد للعراق. نعم، سلطة الاستبداد الشرقي سواء في العراق أو إيران لا تأبه للإنسان، وهذا الاستبداد متأصل، وموروث مع تبدل أشكال الحكم، وموروث عبر الدهور. ثم فيما بعد سلموا إلى مركز شرطة في طهران، وتم نقلهم من طهران إلى مدينة كرمنشاه الحدودية مع العراق بغية ترحيلهم إلى العراق، ليواجهوا الإعدام. في نهاية المطاف أعادوهم إلى طهران ثم تم نقلهم إلى المعتقل المنفى الشهير سمنان.
هذا التنقل بين السجون في إيران يوحي لنا كم من الأذى الذي تعرضوا له الرفاق الثلاثة وأي جبروت روحي صامت امتلكوه وسط الإكراه والإهانة والضرب والجوع والتوتر والمعاملة السيئة، وهم ضائعون تائهون وسط الغربة التي لمسوا فيها القسوة التي لا ترحم. إنه سلوك تسلطي وسيطرة بغية أن يكسروا إرادتهم إلا إنهم واجهوها بعزة وكرامة وصلابة دون أن يفرطوا أو يتنازلوا عن قيمهم التي صاغوها في ممارسة النضال بتعدد أشكاله، ليصنعوا مأثرتهم بوعي تام. أجل، مأثرتهم الهادئة التي تشرق نورا أشبه بنجم ساطع في السماء.
المحور الثاني: سمنان.
لم تكن صدمة السجون ومراكز الشرطة التي مروا بها الرفاق الثلاثة مثل صدمة الانتقال إلى معتقل سمنان الذي يشبه مقبرة موت تدريجي طويل الأمد لمناضلين أحياء أصحاب ملامح إنسانية كي يعيشوا تفاصيل عذاب مجهول، وهم يستدعون ذكرياتهم الدافئة، والتأمل بعالم آخر جميل، لتبقى جذورهم نقية ذات صلة بمبادئهم التي ضحوا بزهرة شبابهم من أجلها، وهم يتغلبون بإرادتهم القوية استعدادا لتحديهم هذا المعتقل الموحش، ينتابهم التأهب للنصر على تعسف بطش إدارة السجن، وحراسه.
هذا معتقل سمنان بوجه شديد العبوس، صعب المراس، عند رؤيته ينقبض وجه البشر، ويغيب الإنسان عن ذاته وتتزاحم عليه صوره المرعبة من شدة هوله، وضيقه، ورهبته، فدخلوه الرفاق الثلاثة ينتابهم الحزن في حزن لأن علامات هذا المعتقل الكرب، والكآبة، والضيق، فهو معتقل العزلة والقساوة والغربة، معلق النزيل فيه بين النفي والمصير المجهول، فيصف المؤلف بنايته بدقة متناهية، وتفاصيل بارعة ثم يتطرق إلى طبيعة نزلاءه الذين وصفهم إنهم بشر سمنان الذين يشكلون مملكة غريبة عجيبة الأطوار، لذلك جاء الكتاب أشبه بمذكرات شخصية كشهادة حية واقعية يروي فيها الكاتب تجربته داخل المعتقل كمكان خارج العالم، فيه ذكريات أيضا عن أشخاص اختفوا إلا إنهم محفوظون في ذاكرة الكتاب التي لم تكن بالنسبة لهم هذا المعتقل إلا رمزا للانفصال القسري عن العالم، والحياة الطبيعية. هكذا باشر محمد الكحط يسجل مذكراته على ورق، ويخفيها عن أعين الفضوليين التي جاءت أشبه بقصص لسيرة نزلاء المعتقل، ودراسة شخصياتهم المتناقضة، فكان الكثير منهم يفقدون السيطرة على أنفسهم، لأن قسوة المعتقل تدفعه إلى أمل وهمي للخروج منه كي يتنفس الحرية، فهو يهرب من ذاته نحو فضاءات الأحلام الخيالية لحماية ذهنه من التلف أو العطب أو التشوش الذي أصاب بعضم بينما كان نزلاء آخرين يعودون بذهنهم إلى الذكريات والحديث عن نفسه بتماه أمام الآخرين فرارا من واقعه المرير. الحلم صار بالنسبة للنزلاء هدف الذي تحدث عنه محمد الكحط بغوص عميق خاصة صار هذا المعتقل أداة عقاب لشيء لم يقترفه البعض وبالتحديد الرفاق الثلاثة حيث صار يطلق عليهم النزلاء بالمثقفين، لملكتهم الفكرية، ومعرفتهم الواسعة، وحسن تدبير أمورهم في المعتقل.
يصف المؤلف في كتابه الشجار العنيف الذي كان يحدث بين النزلاء حيث وجده بأنه لم يخرج من فراغ بل هو نتيجة حتمية للقسوة في المعتقل، والضغط الطويل عليهم الذي عانى منه النزلاء بعد كبت القهر والغضب والحرمان في أعماقهم في انتظار طويل لإطلاق سراحهم الذي بسببه أدى إلى العراك العنيف. هذا أشبه بانفجار داخلي، فسالت الدماء في لحظات توتر وسط صراخ وتدافع وضرب رغم تدخل زملائهم للفصل بينهم. إنها لحظات مؤلمة تكشف عن درجات الاحتقان الذي يمر به المعتقل. هذا يشير أيضا إلى مدى الضغط النفسي الذي صارت الأيادي تتكلم كمنطق للعنف المتبادل لكن لاحظ محمد الكحط أن بعد إفتعال كل شجار يهدأ المتشاجران، وتعاد الألفة بينهما ثم يتلاطفان كما لو أن كل شيء تمام، ولم يحدث شيئا بينهما، ثم يعودان إلى ذواتهما باستيعاب ما حدث.
هكذا يكتشف المعتقل الملقى به هنا لم يكن سوى حبيس المأزق الخانق جسديا وعقليا الذي لا مفر منه حيث مقذوف في المعتقل ليكون في مأزق وجودي هندس له بعناية من قبل إدارة المعتقل، فلا يزوره أحد، ولا يعرف شيئا عن عالمه الخارجي. إنه مجرد حبيس فراغ في أعماق النسيان، فهو مدمر ومصدوع وموعود بأكاذيب ووعود مزيفة إنه سيخرج من المعتقل. حينئذ يدرك المعتقل هذا اللغز بكونه مقذوفا في الهم والاستلاب، وهذا من طبيعة دولة الاستبداد رغم التأويلات المشوهة المزيفة، فسمنان بالنسبة للمعتقل هو موضع الكون كله، ومحور الحياة في أجوائه الكئيبة، وهو رمز الغربة والفقدان والحرمان. هذا كان يزيد من توتر النزلاء بشعورهم إنهم مقيدين بين الجدران، عاجزين من تحقيق رغباتهم الدنيوية، محبطين فقدوا قيمتهم، وتقديرهم كبشر، وقد ذابت هويتهم هنا، وتلاشي إنتمائهم إلى معنى الحياة وغاية وجودهم مهما حاول النزلاء التصالح مع ذواتهم والبحث عن ماهيتهم في هذا العالم المغلق، فقد اكتشفوا أنفسهم إنهم شيدوا مجتمعا فريدا في تنوعه ومعاناته، فصار لكل واحد من النزلاء قصة أو حكاية تكشف مدلولها تحت القيود التي فرضت عليه. هذه البيئة القاسية اليائسة جعلت بعض النزلاء في صراع داخلي مع الذات مما فرضت عليهم أن يثيروا الشجار وإفتعال الشغب مع إدارة السجن والحراس، للفت الانتباه إلى مطالبهم في الحرية، والخروج من هذا المعتقل الجحيم، ليكون ذلك أشبه بصرخة في وجه معتقليهم، فيشير محمد الكحط في كتابه عن حوادث متنوعة رافقها تحطيم محتويات المطبخ أو غلق باب القاعة في حالة حنق وغضب وألم من طبيعة هذا الوجود، ويقدم أيضا وصفا دقيقا لتلك الحوادث التي تحمل طبيعة الإذلال الذي لحق بالنزلاء وتمردهم بين فترة وأخرى للتعبير عن حلمهم بالحرية والخروج من هذه المأساة التي حلت بهم، وكذلك يصف ببراعة مشاعرهم، وأحلامهم في ظلال هذه العزلة عن العالم.
المحور الثالث: الحرية في شروط.
مرت سنة وسبعة شهور على تواجد الرفاق الثلاثة في معتقل سمنان بأيام مليئة بالقصص. أيام مملة متعبة، ثقيلة بطيئة بنفس تفاصيلها اليومية الطويلة المتكررة المحبطة دون أن يجدوا معنى لهذا المعتقل وظروفه القاسية وهم في انتظار حلم الحرية لكنهم لم يسمعوا سوى وقع أقدام الحراس، وصرير الأبواب، وصراخ النزلاء أثناء المشاجرات والضجيج أثناء الاعتصام الأفراد لتنفيذ مطاليبهم، فذات يوم استدعاهم المحقق، وعرض عليهم الحرية بشروط، وأوجزها أن يختاروا واحدة منها، وكانت بالشكل الآتي كما وارد في الكتاب:
1ـ التوجه إلى الحدود العراقية.
2ـ أو التوجه إلى الحدود الباكستانية.
3ـ أو البقاء هنا لأجل غير معلوم.
حينئذ اختار الرفاق الثلاثة التوجه إلى الحدود الباكستانية ثم بعد عدة أيام، وذات صباح أبلغوهم أن يحضروا نفسهم للخروج من معتقل سمنان، فودعوا نزلاء المعتقل، وساروا معصوبي العيون، ومكبلي الأيدي من سمنان، وساروا بهم في سيارة حتى فترة الغروب، وسلموا إلى مركز شرطة، وقضوا ليلتهم هناك، وفي الصباح نقلوهم إلى مدينة إيران شهر الحدودية مع باكستان، وسلموهم إلى المركز الحدودي، وفي اليوم التالي أركبوهم سيارة عسكرية وهم مكتوفي الأيدي، يحرسهم جنود مدججين بالسلاح ثم ساروا بهم في منطقة جبلية وعرة، وانزلوهم قائلين لهم كما وارد في الكتاب:
ـ سيروا على هذا الطريق ولا تلتفوا إلى الوراء، وإلا سوف نطلق النار عليكم.
هنا على هذا الطريق الترابي المجهول الذي تخطو عليه أقدامهم بتوجس وحذر تنفس الرفاق الثلاثة الحرية بعيدا عن سمنان، ودون أن يكرههم أحد على شيء، فقد انتهى الصراع في سمنان، وتحرروا من تعسفه، وامتلكوا إرادتهم الحرة، وقيمتهم الجوهرية من كافة قيود المعتقل. ها هم في توجس إن كانوا قادرين في اختيار حياتهم نحو الأفضل في بلد الغربة الجديد باكستان. أجل، وجدوا نفسهم في تجربة جديدة أخرى لابد لهم أن يخوضونها بصلابة، وهدوء.
وصلوا إلى قرية باكستانية حدودية، وقد لامست ظهورهم الحصائر التي كانت تنغرز أعواد منها في ظهورهم دون أن يعيروا أهمية لها ثم بعد الظهر تحركوا في سيارة بمساعدة أحد شيوخ القرية الذي أظهر كرمه ونبلهم اتجاههم، فوصلوا إلى فندق قرب مدينة كراجي، وقضوا ليلتهم فيه. أثناء فترة الظهيرة ركبوا سيارة دون نوافذ محتشدة بنساء يرتدين النقاب، وسارت بهم إلى كراجي. وصلت السيارة إلى كراجي في الليل، وقد وجدوا فندقا بائسا بعد أن رفضتهم كل الفنادق لعدم وجود وثائق لديهم، ومنظرهم المتعب، فقضوا ليلتهم فيه.
ثم فيما بعد قادتهم الأقدار إلى مدينة شيرين كولوني الغريبة في عالمها حيث تنقسم المدينة إلى قسمين متواجهين متناقضين تتميز فيه الفوارق الطبقية بحدة، فالأول للأثرياء والمتنفذين في السلطة، والآخر مرتع الفقراء والمهمشين، إذ بيئته خانقة تتناثر فيه النفايات العشوائية المتراكمة، ويعم الجوع الذي ينهش الأجساد، وانعدام المستلزمات الصحية وينتشر المتسولون في كل مكان وتسيطر عصابات المخدرات على هذه المنطقة. إنه مكان أشبه بشبح يسري فيه الموت ببطيء، ويفقد فيه الإنسان شخصيته، ويقتل البراءة في تكتم وسكوت. الكل يعيش فيه بيأس صامت، يستنزف قواه. إنه كان مشهدا مرعبا بالنسبة للرفاق الثلاثة كما لو أن الدولة الباكستانية تركت الناس للموت بصوت متعسف لا رحمة فيه: اتركوهم ليموتوا. إنه مكان العدم، والعبثية لكل من يراه لأول مرة ويعجز عن استيعاب وجوده مما يدخله في خيبة أمل أو حلم، فها هم الرفاق الثلاثة آثروا أن يعيشوا هنا دون أن يفكوا رموز المفاجأة للوصول إلى معنى وجود هذا المكان.
تأقلموا تدريجيا مع هذا الواقع الجديد وفق ما تمليه الظروف عليهم رغم إنهم كانوا منفصلين عنه بمشاعرهم خاصة ينعدم الهدف هنا، ولا يتوافق مع رغباتهم، فأحسوا إنهم في عالم مضطرب قلق يعج بفوضى تجار الحشيش. هذا الاستلاب لكفاءاتهم قادهم أن يذهبوا إلى مقر الامم المتحدة والحصول على هويات طلب اللجوء ثم فيما بعد انتقلوا إلى وسط كراجي واستقروا في شقة بسيطة، وأخذوا يرتبون اتصالاتهم مع رفاقهم في دمشق ليخرجونهم من باكستان، ينتابهم التجلي لواقعهم المعاش، وذروة ما عانوه من تلك الرحلة المأساوية، ويستخلصون النتيجة أن الحرية هي جوهر الروح الإنسانية، وهي كلمة جميلة وبديهية ومصدر أساسي لكرامة الإنسان كضرورة طبيعية للعيش إذ بدونها يبقى الإنسان يعاني من إنعكاسات عدم توفرها. آنذاك اخذوا يرتبون إتصالاتهم بدقة وتواصل مع رفاقهم في دمشق، ليخرجوهم من باكستان، وهذا ما حصل، فسافروا إلى إسلام آباد، واستلموا جوازات سفر عبور إلى سوريا، وتم سفرهم بالطائرة إلى دمشق بنجاح إلا إنهم تفاجئوا بأن قادهم ضباط المخابرات إلى خارج المطار ثم أركبوهم سيارة إلى دائرة أمنية، وبدأوا معهم تحقيقات طويلة مملة، وتكررت عدة مرات ثم أخذوهم إلى فندق ليقضوا ليلتهم فيه، وسوف يواصلون التحقيق معهم في الصباح لكن استطاعوا أن يتصلوا برفاقهم بدمشق وشرحوا لهم مصيبتهم الجديدة، فهرع رفاقهم في الصباح الباكر إلى الفندق، وتبادلوا العناق والقبل في أجواء الفرح مما أدهش ضباط المخابرات، ونالوا حريتهم بعد رحلة شاقة بين ثلاث دول إيران، أفغانستان، باكستان.
هذا الكتاب يعالج قضايا إنسانية عامة وخاصة وقد تناول المؤلف في بداية الكتاب مفهوم الحرب والسلام، وتطرق إلى افرازات الحروب التي تجلب الويلات من تدمير وخراب وفناء التي تسلب إرادة الانسان، ليكون مقهورا مغلوبا على أمره، وهو يحاول أن يتشبث في البقاء، والسعي وراء حياة أفضل. هذا الكتاب يعيد التفكير بمحاولة استلاب إرادة الإنسان في المعتقلات والسجون ونتائجها المريرة لا سيما يتناول الكتاب أيضا مدى احترام النزلاء للرفاق الثلاثة لعمق انتماءهم العراقي، ودفء أصالتهم، ورفضهم للعمل المعيب وصمودهم في وجه القضاة والمحققين من أجل نيل حريتهم. أجل، هذا الكتاب يغني المكتبة العربية فهو فرصة لاستكشاف عوالم مجهولة من خلال توثيق تاريخي غير مطروق سابقا، يساهم عند قراءته للوصول إلى حقائق خفية، وتجربة نضالية للرفاق الثلاثة تعزز الوعي الإنسانية، والتفكير النقدي، فهو ليس مجرد صفحات مكتوبة بل هو نافذة إلى عالم يثير التأمل، واستلهام العبر، والتحفيز على وضع حد للمعتقلات التي تنتهك قيم الانسان وكرامته.