تمتلك الاديبة قدرة ممتمكنة   , في صياغية في  اسلوبية السرد ,  وتقديم الحدث المرهف في حرارته و منهجيته الديناميكية المتصاعدة , التي تشد القارئ في لهفة مؤثرة في متابعة الحدث , هذه الصياغة تمثل ابتكار نوعي في فن القصة المعاصرة , وتربطه في وشائج عميقة ودالة في الرؤية الفكرية , التي تخص مديات  مجريات الأمور من الواقع الفعلي , هذه الواقعية في تكوين الحدث , يستند الى التجربة والخبرة والمعايشة الحميمة , لذا فأن الحدث السردي يملك احساساً فياضاً من الشخوص البارزة في الحدث , هي ظلت حية في الذاكرة والذكريات  والقلب  , وتملك شعور إنساني  بسيط,  وبريء , في تناول   عالم الطفولة , ومفهوم هذا العالم النابض بالحركة والنشاط , بأنه عالم خاص ومتنوع , يرتكز في مؤثراته على الموروثات الشعبية والاجتماعية , عالم الطفولة يتميز بسمات خاصة تمتد  من فعل  البراءة والمشاكسة والشقاوة , بين المرح والحزن والوجع , بين الرفض والتمرد  والمغامرة , والانتشاء في امتلاك شيء  , حتى لو كان بسيطاً , مثل حصول على حفنات من التمر أو طلع النخيل , عالم يتمثل بالذكاء والفطنة , اضافة ان الحدث السردي يتناول عالم الطفولة في أماكن متنوعة , في الفرق الاجتماعي  الشاسع في  العادات والتقاليد  في  بيئتها المحلية , سواء كانت في الريف او المدينة , سواء كانت في بيئات مختلفة , من العراق ( البصرة ) الى اليمن ,  وفلسطين ( غزة المنكوبة والمدمرة واطفالها يذقون طعم حنظل الطفولة , وهم منسيون من السماء والارض ) , أو في الجانب الغربي . بلغاريا وألمانيا , اي تنوع البيئة الاجتماعية في الجانب الشرقي ( اليمن ) الانغلاق الاجتماعي والتأثيرات الدينية السلفية , الذي يجعل البيئة محددة بالأعراف الدينية الصارمة , ومن يتجاوزها يجد العدوانية وعدم القبول والنفور في وجهه ,  أو الاستفزاز  , هناك حواجز قائمة  في الاختلاط والعلاقة الاجتماعية  , بينما نجد المجتمع الغربي ( بلغاريا ) الدعم والرعاية والانفتاح في العلاقات الاجتماعية ,  على ضفاف البيئة الجميلة , في كل الأحوال يدل عالم الطفولة على امتلاك  مشاعر حساسة ونابضة , في صراعها مع الحياة العامة , ولا تقبل بالهزيمة  , رغم الالم والوجع والحزن , لذا فأن سلاحها في الأوقات العصيبة هي الرفض والتمرد والمغامرة , أن تناول عالم الطفولة في النصوص القصصية  التي تحتوي على عشرة نصوص قصصية  في المجموعة  , تشير ان عالم الطفولة , عالم نابض بالنشاط والحركة والفعل   .......   ولابد ان نشير الى العنوان المجموعة ( النخلة العمة ) , والنخلة هي الملاذ الآمن والمأوى والوطن , ورمزيتها الايحائية متعددة العناوين , فهي تمثل الطيبة والرعاية والحماية , وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم , في قصة السيدة العذراء , التي انجبت عند جذعها السيد المسيح , أما في الحضارات العراقية القديمة , فهي تمثل الهوية والاصالة والشموخ والعطاء  . لذا يتنوع الحدث السردي في الايحاءات الرمزية الدالة لعالم الطفولة , في مقدمتها العنف الاسري وسلطة الأب العليا في المجتمع الأبوي , , بينما نرى سلطة الأم نجد فيها الحنان والحب والرأفة والفهم والادراك  ,   الفقر والحرمان  علامة بارزة ,  وخاصة في طفولة الفئات الكادحة , وكذلك الطفولة في زمن الحرب والابادة , كما هو الحال إلى أطفال فلسطين ( غزة المنكوبة والمدمرة ) , وكذلك يشير الحث السردي الى الاهتمام بعالم الطفولة , رجال الغد أو المستقبل . إن المجموعة القصصية تصب اهتمامها الجدي لعالم الطفولة , يمثل هذا العالم المميز مثل ورقة بيضاء ,  والبيئة والمجتمع والاسرة , يكتبون حروفهم   فيها , سواء ايجابية أو سلبية , هذه الرؤية الفكرية في ثنايا النصوص القصصية , ولابد من الاشارة الى التقديم الرائع في الاحاطة النقدية بتحليل الشاعر طارق الحلفي , في اشارته  في اللمسات الانسانية لهذا العالم الندي والطري , حتى في شقاوته ومشاكساته ومغامراته , تدخل ضمن إطار البساطة البريئة . ...... والجدير بالذكر أن أشير   الى  بعض النصوص في المجموعة القصصية  . 
1 - قصة ؛ سهام الفتى عادل السليطة : 
عادل ذو اثني عشرة عاماً , يملك الذكاء والفطنة والمغامرة والشقاوة , ويتباهى في مغامراته بين أفراد العائلة , ومغرم بصنع العابه , الطائرات الورقية , وصنع الأقواس والسهام للصيد العصافير , ويفتخر عند حلول المغرب , يعود الى بيته  محملاً بغنائمه من العصافير, وكان يحظى بالرعاية والحب من ابيه , وفي احدى المرات السيئة , كان يطارد العصافير بسهامه , ولكن هذه المرة اخطأ السهم هدفه , فقد وقع السهم في جسد البقرة , واستشاطت البقرة بالجنون من ضربة السهم والدماء تنزف منها , فرجع الى بيته يلوكه الحزن والاحباط , في انتظار العقاب الصارم من أبيه , فصارح أمه بالخطأ الفادح الذي ارتكبه , بدلاً من السهم يصيب العصافير , وقع دون عمد على البقرة , وسمعت جدته الحكاية , وطلبت منه الكف عن هذه اللعبة العنيفة بالسهام , مقابل التدخل عند أبيه أن يعفو عنه , بالذهاب الى البستاني بالاعتذار ودفع التعويض المالي . 
2 - قصة : هي أمي وإن قست : 
سحر ذات الاعوام عشرة ربيعاً , منشغلة طوال النهار في ادارة البيت ترتبه وترتيبه , وهو يضم خمس عوائل , في جهدها اليومي المرهق والمتعب , حتى تقع على فراش النوم جثة هامدة من التعب والارهاق , وطبيعي هذا الجهد اليومي ينعكس سلباً  على اجتهادها في الدروس  والمدرسة , وظهرت نتيجة الامتحانات راسبة في درس الرياضيات , حزنت بشدة وسكبت دموعها , وشعرت بقلق وخوف كيف تواجه امها بالنتيجة السلبية , فاخذت تلف الطرق حتى أنهكها التعب , في جثمت  على عتبة بيت غريب لتستريح من الارهاق والقلق والبكاء , ولكن اخيراً رجعت الى بيتها تحمل حزنها , وهي تقول : يارب . احميني .... وخفف عن أمي. . وخفف عني . واخيراً  قررت ان ترجع الى البيت ومهما تكون النتيجة فهي امها الرحيمة . 
3 - قصة : هديا من عتمة الركام :   الى اطفال غزة . 
الحياة في غزة تعيش تحت الركام المحطمة بالحرب المدمرة , وسط الأنقاض ينهشها  الموت والخراب , فلا طفولة بل حياة منهكة بالانتهاك الوحشي من آلة الحرب , الاطفال يعيشون في الخيام دون رعاية ودعم , والأطفال يفتشون تحت البيوت المهدمة عن بقايا ذكرى , تعيدهم الى زمن كانت بيوتهم عامرة وحياة مستقرة تحول كل شيء الى خراب , طفلة صغيرة ( هبة ) تفتش عن ركام بيتها الذي تحول الى حطام وانقاض , تفتش عن شيء ثمين تقدمه الى امها صبيحة العيد , لذلك تفتش تحت الحجر عن بقايا من بيتها المحطم , الذي قصفته الصواريخ الهمجية , وخطف الموت أبيها وشقيقها , وهي تفتش في الركام وجدت على قطعة من الحجر , دماء ابيها واخيها معاً , حفظته , وكذلك وجدت ابزيم من حزام ابيها الجلدي , هذا ما تقدمه الى امها صبيحة العيد , هذه المأساة والنكبة تعجز الكلمات أن تصفها , هذه حياة الطفولة في غزة المنكوبة بالخراب والدمار . 
4 - قصة : لظى في الخاصرة : الى ولدي مسار / الطفولة في بيئتين . 
 مسار الابن البكر في ربيعه العاشر . عاش سنواته في بلغاريا , في مجتمع مناصر للطفولة في الرعاية والدعم , والعلاقات الاجتماعية, يملئها الثقافة والتعليم والدعم الاجتماعي للأطفال , مسارح . ملاعب , دورات تربوية وثقافية  , فتعلم البلغارية والروسية بطلاقة , يساعده انه نشأ في بيت مثقف وعلمي , على ربوع الطبيعة الجميلة . قررت العائلة الرحيل الى اليمن , وهناك الصبي ( مسار ) اصطدم بمجتمع مختلف تماماً لم يألفه , مجتمع منغلق تؤثر فيه العادات والتقاليد الصارمة , مجتمع ديني منغلقاً تماما , شعر بالإحباط والعزلة , وخاصة زملائه التلاميذ يشعرون بأنه جسم غريب عنهم ,  غير مألوف, لذلك ينظرون إليه بنظرات زجرة عدائية في الاستفزاز , كأنهم يشكون بأنه مخلوق بشري ( - هل انتم مسلمون؟ .... لماذا لا ترتدي أمك الحجاب ؟ . لماذا لايذهب والدك الى الجامع ؟ وزاد الطين بلة , بأنه لم  يحضر الدروس الدينية , هل انتم كفار ؟ لان في أوربا درس الدين اختياري ولا يدخل ضمن الدرجات النجاح والرسوب  , لان لم يدخل في التقييم الدرجات , درس اختياري محض . لذا عانى ( مسار ) المعاملة غير الانسانية من التلاميذ  والمربين , ووقف ابيه الى جانبه في مواجهة مدير المدرسة ( من حق ابني الدفاع عن نفسه ورأيه , أنني افتخر به وأثق بسلوكه , عليكم أن تتعاملوا معه باعتباركم  تربويين , لا بأساليب استفزازية كهذه ). وبعد الحرب الأهلية اصبحت الحياة لا تطاق بل جحيم ( اليمن من دخلها مفقود , ومن خرج منها مولود ) لذا قررت العائلة الرحيل من اليمن . 
5 - قصة ( النخلة العمة وأبناؤها الاشقياء . 
هذه القصة تحمل عنوان المجموعة , غزيرة بالايحاءات الرمزية الدالة في المعنى والمغزى البليغ , مزية الحدث ورمزية النخلة في بعدها الحضاري والديني والشعبي .  المكان في بصرة النخيل أو أم النخيل . بستان النخيل مرتع اللعب والمغامرة والشطارة , تبرز الشقاوات والذكاء للصبية , في الصعود وقطف الطلع أو التمر , تتوزع مجمعات الصبية , بين الحراسة من مداهمة البستاني , ومجموعة الحماية ومجموعة استلام الطلع الساقط أو حفنات التمر , برز من مجموعات الصبية  ( طلال ) 12 عاماً يقود مجموعة الشقاوات والمغامرات والصعود الى النخيل , والصبية يعودن الى بيوتهم محملين بالطلع أو التمر , وهم فرحين , في احد الايام عند صعوده , يتفاجئ بوجود  بحارس البستان , يمسكه بتهمة سرقة الطلع أو التمر ,  ليصب غضبه  بالتهديد ( انزل ايها اللص الصغير .. أو أصعد  إليك ) ولكنه  يرفض النزول . بل يسمع همسات النخلة لتقول له (   - لا تخف يا بني ابق بجانبي , سأحميك , رغم أنك استعجلت قطف ما كان يمكن اقدمه لك , حين يحين أوانه , ايها الشقي الصغير ) , لذلك تلقى جرعة دعم وشجاعة  وحماية , رفض النزول , وغير البستاني لهجته باسلوب العطف والرأفة , لكن لم يستجب إليه  , بل هدده بالسقوط من النخلة ,  وهو يتحمل المسؤولية , إذا لم يذهب الى بيته , واصر على تنفيذ تهديده , فاضطر البستاني أن يغادر المكان  ,وبعدها نزل من النخلة بنشوة النصر . , هكذا رمزية النخلة عمتنا الطيبة و الباذخة في العطاء , رمز الحماية والرعاية والدعم , ألم تنجب السيدة العذراء , السيد المسيح بجانب  جذع النخلة , لذا النخلة تمثل في رمزيتها . الطيبة والشموخ والعطاء . 
  جمعة عبدالله