ليست كل سيرة ذاتية مجرد استعادة لوقائع عاشها صاحبها، فبعض السير تتجاوز حدود الفرد لتغدو وثيقةً إنسانية وتاريخية تكشف روح عصرٍ كامل، وتضيء مناطق معتمة من الذاكرة الجمعية. ومن هذا النوع يأتي كتاب "حكايات الطريق" للكاتب العراقي مازن الحسوني/ النصير أبو حسنة، الذي يقدّم للقارئ نصًا يجمع بين حرارة الاعتراف الشخصي وصدق الشهادة التاريخية، فيروي تجربة جيل وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع سلطة لا تعترف بالاختلاف ولا تتسامح مع الرأي الآخر.
منذ الصفحات الأولى يضعنا الكاتب أمام سؤال مصيري: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح الوفاء لقناعاته أثمن من الطمأنينة الشخصية؟ فالسيرة تنطلق من لحظة مفصلية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين اشتدت حملات الملاحقة السياسية، واضطر المؤلف إلى مغادرة حياته الطبيعية لينخرط في رحلة طويلة من المطاردة والهروب والتخفي، قبل أن يقوده الطريق إلى تجربة العمل الأنصاري وما حملته من مخاطر وتضحيات.
غير أن قيمة هذا الكتاب لا تكمن في الحدث السياسي وحده، بل في الكيفية التي يقدّم بها الإنسان وهو يواجه اختبارات الخوف، والحنين، والشك، والإصرار على النجاة. إن الحسوني لا يكتب من موقع البطل الأسطوري الذي لا يخطئ ولا يتردد، وإنما من موقع الإنسان الذي يعترف بضعفه وقلقه وحيرته، وهو ما يضفي على النص صدقية عالية ويجعله قريباً من وجدان القارئ.
في «حكايات الطريق» نقرأ تفاصيل الهروب من البصرة إلى بغداد، والتنقل بين الفنادق والأحياء الشعبية تحت وطأة المطاردة، والعودة السرية إلى بيت العائلة، وما يرافق ذلك من مشاعر مختلطة بين شوق الابن إلى حضن والديه، وخوفه من أن يكون سبباً في تعريضهم للخطر. كما نتعرف إلى شبكة العلاقات الإنسانية التي نسجتها المحنة؛ رفاق الطريق الذين تشاركوا الخبز والخوف والحلم، والصداقات التي تشكلت في ظروف استثنائية حتى غدت أشبه بروابط الدم.
ومن أبرز ما يميز الكتاب ابتعاده عن لغة الشعارات والخطابات التعبوية. فالكاتب يفضّل السرد الهادئ القائم على المشهد والتفصيل اليومي، فينقل للقارئ نبض الحياة كما عاشها: أماكن العمل، أحاديث الرفاق، لهجة الناس، تفاصيل التنقل، وحتى المفارقات الساخرة التي كانت تقتحم أكثر اللحظات خطورة. وقد أسهم توظيف اللهجة العراقية الدارجة في بعض المواضع في منح النص مزيدًا من الحيوية والحميمية، من دون أن يفقد توازنه اللغوي أو قيمته الأدبية.
إن "حكايات الطريق" ليس كتابًا عن الماضي فحسب، بل هو أيضًا تأمل عميق في معنى الحرية، وثمن الموقف، وقدرة الإنسان على حماية كرامته وسط أكثر الظروف قسوة. إنه تذكير بأن التاريخ الحقيقي لا تصنعه القرارات الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا حكايات الأفراد الذين قاوموا الخوف وتمسكوا بحقهم في أن يكونوا أنفسهم.
بهذا المعنى، يقدّم مازن الحسوني عملًا يستحق القراءة، لا بوصفه سيرة ذاتية فحسب، وإنما بوصفه شهادة نابضة على مرحلة عصيبة من تاريخ العراق، ورسالة إنسانية إلى الأجيال الجديدة بأن الكرامة
والحرية ليستا هبة مجانية، بل ثمرة خيارات صعبة، دفع كثيرون أثمانها بصمت وشجاعة.
**
الكتاب يقع في 332 صفحة من القطع المتوسط
يحتوي الكتاب على اهداء ومقدمة وشكر و24 فصلا وسيرة ذاتية؛
كما يضم مجموعة من صور شهداء مفرزة الطريق وصور أخرى للكاتب مع مجموعة من الأنصار الشهداء والاحياء.
**