(...اختر الصح… حتى لو لم يراك أحد)

يا ولدي
علّمتك الأشياء، وقلت لك: اكتب اسمك فوق الماء
فاحفر وجهك في الصخر
نقيًا كالثلج
بريئًا كالفجر*

يعود فضل وجود سعيد في السويد إلى والديه وأخته سارة، التي تكبره بعامين. كانت في الثالثة من عمرها عندما وصلت العائلة إلى السويد في تسعينيات القرن الماضي، بينما لم يتجاوز سعيد عامه الأول. كان والداهما قد طلبا اللجوء، فمنحتهم السلطات بيتًا كبيرًا في قرية صغيرة هادئة، لا يزيد عدد بيوتها على ثلاثين منزلًا، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا

بدأ سعيد رحلته هناك من الروضة، ثم المدرسة الابتدائية فالمتوسطة. تعلّم اللغة السويدية، واطّلع على عادات المجتمع وثقافته اليومية، التي أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من شخصيته، رغم أنه كان يعيش في بيتٍ عراقي الهوية

منذ طفولته، تعلّم الصدق، وابتعد عن الكذب، سواء مع المعلّم أو الأصدقاء أو داخل البيت. كما ترسّخ في داخله احترام النظام والقوانين. وفي تلك القرية الصغيرة، التي تُدعى "هلوند"، كان جميع السكان من السويديين، وكانت عائلته العائلة العراقية الوحيدة هناك، لذلك لم تتح له فرصة التحدث بالعربية مع أحد خارج المنزل

كما تعلّم الوضوح والصراحة وحرية التعبير، وهي قيم كانت سائدة في المجتمع من حوله

عندما انتقل إلى المرحلة الثانوية، اضطر إلى السكن في المدينة، بعد أن حصل على شقة صغيرة تبعد نحو خمس عشرة دقيقة عن القرية. هناك التقى بأصدقاء من خلفيات متعددة، بعضهم من العراق ومن بلدان أخرى

أخبره والداه بدهشة أن هناك طلابًا يتحدثون العربية في المدرسة الثانوية، فبدأ فضوله يزداد لتعلّم هذه اللغة، خاصة بعد نصيحة والده الذي كان يردد دائمًا
"اللغة مفتاح كل بلد"

كان سعيد شغوفًا بتعلّم اللغات، فإلى جانب السويدية، أتقن الإنجليزية والفرنسية، وبدأ يهتم أكثر بتعلّم العربية

في البيت، كانت العائلة تتحدث العربية، لكن بشكل محدود مع الأبناء بسبب البيئة السويدية التي نشأوا فيها

كان والده، حسان، يتابع أبناءه بذكاء منذ سنواتهم الدراسية الأولى. كان يتعرّف على أصدقاء سعيد دون أن يشعر بذلك؛ فعندما يذهب سعيد لزيارة أحد أصدقائه، كان الأب يوصله، ثم يطرق الباب قائلًا بابتسامة
"أرغب في التعرّف على صديق ابني"

كان الأبوان يتحدثان دائمًا عن الجوانب الجميلة في العراق، ويتجنبان ذكر السلبيات، ربما ليبقى هذا البلد في نظر أبنائهما مكانًا مشرقًا

هذا الأسلوب زرع في نفس سعيد فضولًا كبيرًا لمعرفة العراق، البلد الذي عاش فيه والداه أكثر من نصف حياتهما، ثم غادراه. وظلت في ذهنه أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة

بعد إنهائه المرحلة الثانوية، التحق سعيد بالجامعة لدراسة علم الاجتماع النفسي، ثم قرر متابعة دراسته للحصول على درجة الماجستير

خلال سنوات دراسته، كان يزور والديه بين الحين والآخر، وكانت فرحتهما كبيرة بعودته. وكان السويديون يقولون
"إذا احتضن الوالدان أبناءهم، فهذا يعني أن الغياب كان طويلًا، وإلا فتكفي كلمة: أهلًا"

في أحد الأيام، جلسوا معًا في المطبخ: الأب، والأم، وسعيد، وسارة. أخذ الأب ينظر إلى ابنه طويلًا، شارد الذهن، وكأنه يحنّ لاحتضانه ويقبله كما كان يفعل في طفولته

انتبه سعيد وسأله
لماذا تبدو شارد الذهن يا أبي؟

أجابه بهدوء
"لا شيء يا بني"

ابتسم سعيد وقال بلطف
أنا أعلم أن لديك شيئًا تريد قوله، لكنك لا تفصح عنه. أنتم اعتدتم الكتمان، وهذا قد يسبب ضغطًا نفسيًا

تنهد الأب وقال
صحيح... ربما تعلّمنا ذلك منذ الصغر. الكتمان يولّد ثقلًا داخليًا. أعتقد أن كثيرًا من العراقيين يحملون هذا العبء بسبب ما مرّوا به من ظروف قاسية

قال سعيد
"أتمنى أن تكون منفتحًا معنا دائمًا. التعبير يخفف الألم"

شعر الأب بشيء من الغرابة؛ لم يعتد أن ينصحه أبناؤه، لكنه قال
"سأحاول يا بني... هناك أمور عشتها في العراق لا أستطيع حتى أن أبوح بها لنفسي"

ثم غيّر الموضوع وسأله عن حياته

أجاب سعيد
كل شيء بخير. حصلت على عمل في بلدية ستوكهولم كمرشد اجتماعي نفسي... وبالمناسبة، لدي مفاجأة

---------------------------

*رشدي العامل (1934-1990)