(...   اختر الصححتى لو لم يراك أحد)

 

ضحكت الأم بسمة وقالت بمزاح

ما هذه المفاجأة التي تخفيها عنا؟

قال سعيد

بعد سنة من عملي في البلدية، لدي رغبة في الذهاب إلى العراق

ساد الصمت للحظات

نظر الأب إليه بدهشة وقال

حقًا؟ هذه مفاجأة لم أتوقعها. لكنني أنصحك ألا تذهب إلا إذا كانت الظروف مناسبة

أما الأم فقالت بقلق

إلى أن تأتي السنة القادمة قد تتغير الأمور، لكن إذا بقي هذا القرار قائمًا، فأنا لا أرغب أن تذهب إلى هناك

ساد الصمت قليلًا، ثم نظر الأب إلى ابنته سارة وسألها

وأنتِ، ماذا تقولين؟

أجابت سارة

كنت أعرف مسبقًا أن لديه رغبة في الذهاب إلى هناك

 

بعد أكثر من سنة، بدأ سعيد يهيئ نفسه للسفر إلى العراق. لم يكن سفره هذه المرة كسائح، بل تجربة عملية؛ فقد حصل على عمل في بغداد كمرشد اجتماعي نفسي

كان يعرف أن لغته العربية ما زالت ضعيفة ومكسرة، وأن التواصل مع الناس لن يكون سهلًا، لكنه قال لوالديه

أرغب في خوض هذه التجربة لفترة معينة، وأنا أتحمل مسؤولية قراري

ورغم حزن والديه ومحاولتهما السابقة إقناعه بالعدول عن الفكرة، فإنهما احترما اختياره في النهاية، وقالا له

القرار الأخير لك، وأنت أدرى بما فيه مصلحتك

حطت الطائرة التي تقل سعيدًا في مطار بغداد الدولي. كان يحمل حقيبة متوسطة الحجم وجهازه المحمول. شعر عند وصوله بأن هناك بعض الفوضى، لكنه قال لنفسه

ربما هذا حال كثير من المطارات

مرت إجراءات الوصول بسلام، وبعد دفع رسوم التأشيرة، كان صاحب العمل بانتظاره. رحب به ثم أرسله إلى الفندق الذي كان يقع في وسط مدينة بغداد

في اليوم التالي بدأ سعيد عمله في المكتب المخصص له. كان المدير قد عرّفه بإجراءات العمل، ثم تركه وحيدًا

جلس سعيد يفكر

من أين أبدأ؟

أمسك ورقة وبدأ يضع خطواته الأولى. كانت الخطوة الأولى أن يعرّف بنفسه كمرشد اجتماعي نفسي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والخطوة الثانية أن يضع لوحة على باب المكتب تحمل اسمه

«المرشد الاجتماعي النفسي
سعيد سالم حسين

كان يدرك أن مهمته لن تكون سهلة؛ ففكرة الذهاب إلى المرشد النفسي في المجتمع العراقي كانت محاطة بالكثير من الأحكام المسبقة، إذ كان بعض الناس يربطون العلاج النفسي بالجنون

وكان سعيد يرى أن هذه النظرة تحتاج إلى وقت وصبر لتتغير، خصوصًا أن المجتمع مرّ بظروف صعبة وحروب وأزمات طويلة تركت آثارها النفسية على كثير من أفراده

لذلك بدأ بالتواصل مع الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتعرّف إلى أشخاص من أعمار وخلفيات مختلفة. كان بعضهم يستخدم أسماء غير حقيقية، لكنه كان يطمئنهم دائمًا إلى سرية العمل والحفاظ على خصوصيتهم

ومع مرور الوقت بدأ بعض الأشخاص يزورون المكتب، ويعرضون مشكلاتهم النفسية. شعر سعيد بفرحة داخلية كبيرة عندما بدأ الناس يثقون به ويطلبون مساعدته

وبعد ستة أشهر، بدأ عدد المراجعين يزداد تدريجيًا، لأنهم شعروا بالأمان والثقة في الحفاظ على أسرارهم

بعد مرور الأشهر الأولى في بغداد، بدأ سعيد يعتاد تدريجيًا على المكان الجديد. لم تكن المسألة سهلة؛ فكل شيء كان مختلفًا عن الحياة التي عرفها في السويد، من طريقة التعامل بين الناس إلى أسلوب التعبير عن المشكلات والبحث عن الحلول

كان يشعر أحيانًا أنه يعيش بين عالمين داخل نفسه؛ عالم تربى فيه على النظام والوضوح والتعبير المباشر، وعالم آخر يحمل ذاكرة والديه وتاريخ المكان الذي ينتمي إليه

مع مرور الوقت، بدأ عدد أكبر من الناس يتواصلون معه. بعضهم كان يأتي إلى المكتب، وبعضهم كان يفضل التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانًا بأسماء غير حقيقية خوفًا من نظرة المجتمع

كان سعيد يؤكد دائمًا أن الخصوصية والأمانة جزء أساسي من عمله، وأن ما يقال داخل المكتب يبقى سرًا بينه وبين الشخص الذي يطلب المساعدة

ومع الوقت، لاحظ أن كثيرًا من الناس يحملون أعباء نفسية كبيرة، لكنهم لا يجدون الطريق السهل للحديث عنها. لم يكن الأمر مرتبطًا فقط بالمشكلات الفردية، بل أحيانًا بتجارب طويلة من الخوف والضغط والظروف الصعبة التي تركت أثرها في حياة الكثيرين

كان سعيد يستمع أكثر مما يتحدث، ويحاول أن يفهم قصة كل شخص قبل أن يقدم رأيه. وقد تعلّم من تجربته أن الإنسان لا يمكن اختزاله في مشكلة واحدة، فخلف كل حالة حكاية وظروف وتجارب خاصة

وفي عمله اليومي، اكتشف جانبًا آخر من المجتمع العراقي. فقد وجد بين الناس طيبة كبيرة، ودفئًا في العلاقات، ورغبة في التواصل رغم الصعوبات التي تحيط بحياتهم

كان يلاحظ أن كثيرين يحبون الحياة ويتمسكون بالأمل، حتى في الظروف التي تبدو قاسية. وفي الوقت نفسه كان يرى أن بعض العادات الاجتماعية والضغوط المحيطة بالإنسان قد تجعل التعبير عن المشاعر أو طلب المساعدة أمرًا صعبًا

بدأ سعيد يدرك أن تغيير نظرة الناس إلى الصحة النفسية يحتاج إلى وقت طويل، وليس مجرد فتح مكتب أو تقديم خدمة. فالموضوع مرتبط بثقافة كاملة تحتاج إلى التغيير بهدوء من خلال الثقة والتجربة

وبعد مرور سنة على وجوده في بغداد، لم يعد سعيد الشخص نفسه الذي وصل إلى المطار وهو يحمل أسئلة كثيرة عن العراق. فقد أصبحت لديه إجابات جديدة

تعلم أن الإنسان لا يمكن أن يُفهم من خلال بلد أو ثقافة واحدة فقط، وأن لكل مجتمع نقاط قوة وتحدياته الخاصة

وعندما اقترب موعد عودته إلى السويد، شعر بمزيج من المشاعر. كان سعيدًا لأنه خاض تجربة كان يبحث عنها منذ سنوات، وحزينًا لأنه سيترك أشخاصًا تعرف إليهم وذكريات أصبحت جزءًا من حياته

كانت هذه التجربة بالنسبة إليه أكثر من مجرد عمل مؤقت؛ كانت رحلة لاكتشاف جزء من هويته، وساعدته على فهم نفسه وعلاقته بالمكان الذي جاء منه والداه