علّقَ صورتي والديه على الجدار بحزن مستذكراً حنانهما وصراعهما مع الحياة القاسية لتدبير لقمة العيش لسبعة اطفال هو اكبرهم، قرأ بصمت ما كتب بيده تحتهما "وبالوالدين إحسانا"، تمتم بكلمات لم تخرج من شفتيه وطبع قبلة على الصورتين.

تقادمت السنين وبهتت ألوان الصورتين، التجاعيد والتشققات على وجهيهما انتشرت كالسرطان مخلفة خطوطا عميقة على الورق المهتريء، تراكمت ذرات الغبار على زجاجتيهما وتساقط جزء من طلاء الاطارين.

كانت عيون الوالدين تترقب كل حركة في الدار وتتمنى أن تلتقي بعيون فلذات كبديهما كل يوم، آذانهما تسجل كل همسات الدار وزقزقة العصافير على شجرة السدر الكبيرة في وسط باحة الدار، تتأوه الصورتان ألماً لعدم ذكر أسميهما في قاموس الاحاديث، حتى الاطفال لم يعودوا يلجؤون الى حضنيهما عندما يلعبون غميضة! ياترى هل كبروا وكفـّوا عن اللعب والمرح!؟

مقبض الباب البرونزي المكوّر أحدث طقطقة امتزجت بصرير خفيف لمصاريع جفّ زيتها من سنين، تدافع الضوء ليزيح ظلام الغرفة، ارتسمت ابتسامة كبيرة كادت أن تمزق ورق الصورتين، أسرّى لبعضهما وعيونهما تلاحق القادم.

ــ  أنه ولدنا البكر الحبيب.

ــ  نعم... نعم... ما أجمله لقد أصبح كبيراً، وبعض من شعر رأسه اصطبغ بلون البدر.

ــ  مرحباً يا ولدنا الحبيب، هل اشتقت إلينا؟

ــ  ارفع رأسك يا ولدنا نحن هنا فوق على مسافة قليلة من رأسك، نريد أن نرى عينيك العسليتين،          حدثنا قليلاً، نغمة صوتك العذبة ستزيل الغبار عن صدرينا.

ــ  كيف حال أخواتك وأخوانك؟

ــ  كم أصبح عدد أحفادنا، هل يذهبون الى المدارس؟

ــ  هل أنتم سعداء؟

ــ  ربما نحن قصّرنا بأطعامكم وتربيتكم؟

ــ  يا ولدي لقد طرق سمعنا همساً بأنكم تريدون بيع الدار، هل حقاً هذا..؟!

ــ  لا... لا... لا.. يا ولدي لم نعد نملك سوى هذا الجدار الذي نتكأ أليه، جدران الدار عُجنت بعرق جسدينا، أنها تحمل رائحتنا وصدى أصواتنا وكركراتكم الصبيانية، أننا لانريد أن تمتليء رئتينا بأنفاس جدران غريبة، حتماً سنختنق، لا... لا تفعلوا ذلك ارحمونا..؟!

استقرت ذبابة على أنف الصورة، عطس الأب، ذلك الجسد الجامد في الاسفل لم يشعر بالرذاذ المتطاير، عيناه مصوبتان نحو درج صندوق خشبي يبحث عن شيء ما، التقطه ثم استدار ورأسه مطأطأ الى أرض الغرفة وكأنه رُبط بحبل الى قدميه، صفق الباب و ساد الظلام الحزين.

مد ّالأب يده ليمسح من على زجاج الصورة الاخرى قطرات تشبه الندى إرتسمت على العينين، ثم بكى!

ارتعشت يده وهي تتلمس خيطي الصورتين، سحب بقوة ليتناثر الزجاج المدمّى على أرضية الغرفة..!

 

عبد الرضا المادح

2018.03.07