يتجاوز كتاب "دهاليز الموت، رحلة في أعماق المعتقلات العراقية" للكاتب صباح كنجي التوصيف التقليدي للوثيقة التاريخية، متساميًا صوب مصاف الشهادات الانسانية الوجودية الدامغة التي تعيد قراءة الجسد البشري في اللحظة التي يقرر فيها الاستبداد تحويله إلى ركام من العذاب.
هذا العمل الفادح يتخطى السرد التوثيقي، هابطًا بالقارئ نحو السراديب المعتمة من التجربة الآدمية، حيث تلتقي السادية المنظمة برغبة الإنسان الفطرية في البقاء، وتغدو الكرامة البشرية هدفًا ممنهجًا للإبادة النفسية والجسدية. في مرحلة من أكثر المراحل قتامة وعنف في تاريخ العراق المعاصر.
صرخة الافتتاح وسلطة الأمانة الروحية
يتحول الإهداء الصادم الذي يفتتح به كنجي كتابه من مجرد عتبة نصية إلى صرخة وجودية تنبثق من أتون المحرقة، حاملةً أوجاع جيل طحنته تروس القمع بغير هوادة. يتبدى التوضيح اللاحق للمؤلف كإعلان صريح بأن هذا المنجز تخلى عن رفاهية التخطيط الأدبي المسبق، مستمدًا شرعيته من كونه أمانة ثقيلة حملها المعتقلون في صدورهم، وعهدًا مبرمًا لحماية أصواتهم وعذاباتهم من غواية النسيان التي يتقنها الطغاة.
يندرج الكتاب ضمن تيار أدب السجون العالمي، ذلك الفضاء المعرفي الذي يدرس المعتقل بوصفه مختبرًا سلطويًا لإعادة هندسة الإنسان عبر الترويع. وفيما اغتنت المكتبة العربية بنصوص روائية فارقة تفكك هذا الفضاء كما في تجارب عبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم، ومصطفى خليفة في روايته القوقعة، يأتي منجز صباح كنجي ليضفي بعدًا توثيقيًا خالصًا، يشرّح الزنزانة العراقية كمصنع للرعب السياسي، حيث تلتحم البيروقراطية بالسادية، ويصبح الألم والتعذيب الممنهج أداة معتمدة لإدارة الدولة والمجتمع.
واقعية الفجيعة وبلاغة الحدث العاري
يتسم الأسلوب التعبيري لصباح كنجي بملامح أدب الشهادة الواقعي، فهو يزهد في الزخرفة اللفظية والمحسنات البديعية المصطنعة، متخذًا من بساطة التعبير جسرًا لنقل هول الواقعة. العبارة هنا تكتسب جزالتها وتأثيرها من فظاعة الحدث ذاته لا من اختيار الالفاظ او العناية بصياغة جملها، ويتجلى هذا العمق الراعف حتى الموت حين ينقل الكاتب شهادة المعتقل (أبو سلوان)، مستعرضاً تلك اللحظة التي وُضع فيها طفله الصغير، المحموم، المستباح بالتعذيب في حضنه تحت تهديد السكين. النص يتجاوز في هذه النقطة حدود الحكاية ليرتقي إلى مصاف التراجيديات الإنسانية الكبرى، مواجهًا فيها الكائن البشري مصيره الأعزل دون تفريط في جوهر كرامته.
وإذا عرجنا على أدبيات المعتقلات العالمية، نجد في التجربة التي دونها المفكر الماركسي الإيطالي "أنطونيو غرامشي" في أوراقه ورسائله الشهيرة من السجن التي بعث بها إلى عائلته وأمه من خلف القضبان، أن الكتابة في مواجهة الجلاد تفقد حاجتها للصناعة اللفظية وتستمد قوتها من حرارة التجربة، حرارة الدم المسفوك على الورق، فتتحول الى حاجة والى انيس يومي لا يمكن الاستغناء عنه. فالألم البشري في هذا الحال يملك لغته الخاصة التي تجبر القارئ على المتابعة والإنصات.
تشريح البنية النفسية للاستبداد واعتيادية الشر
تكمن براعة المؤلف في قدرته الفذة على تفكيك البنية النفسية الاستبدادية للمنظومة الشمولية، فهو لا يختزل الجلادين في خانة الأفراد المنحرفين سلوكيًا، بقدر ما يسلط الضوء على آليات الأنظمة التسلطية التي تحول المؤسسات الرسمية إلى محاضن لإنتاج القسوة، مبينًا سهولة تجرد الإنسان العادي من وازعه الأخلاقي فور انخراطه في الآلة البيروقراطية للقمع. يتبدى الرعب الحقيقي في هذا العمل من خلال مفهوم "اعتيادية الشر ثم ادمانه"، حيث يغدو العنف ممارسة مكتبية يومية تُدار ببرود تام وخلف طاولات منمقة.
إن القصد الأسمى الثاوي بين السطور يتجاوز استدرار الشفقة أو تدوير الأحزان، إنه فعل مقاومة بالذاكرة ضد التزييف والتناسي.
يحرص كنجي على تثبيت الأسماء والتواريخ والوقائع بدقة متناهية، إيمانًا منه بأن المجتمعات التي تتهرب من مواجهة ماضيها بشجاعة، تظل محكومة بإعادة إنتاج كوابيسها القديمة وتكرارها ذات يوم.
مفارقات النص ورسائله الضمنية
يؤثث الكاتب نصه بثلاث رسائل جوهرية تعيد صياغة الوعي الجمعي:
ـ أولًا: إن التدمير الذي يمارسه الطغيان يتجاوز تصفية الأجساد ليعصف بالمنظومة الأخلاقية للمجتمع عبر خلخلة الروابط الأسرية من خلال اتباع سياسة ممنهجة تهدف لتشويهه.
ـ ثانيًا: إن دائرة الضحايا تتسع لتشمل الأجيال اللاحقة التي تنشأ تحت مفاهيم التوجس والقهر.
ـ ثالثًا: إن الروح الآدمية حتى في أقسى الظروف وأشدها ضراوة، تبقى تمتلك قدرة استثنائية على صون جوهرها الإنساني، ويتجسد ذلك في مشاهد التضامن النبيل التي سجلها الكتاب، كموقف السجين المصري (فاروق مارس) وغيره من المحتجزين الذين اجترحوا مآثر من النبل في قلب الجحيم.
يتأسس النص على مفارقة حادة تلعب دور المحرك الفني للعمل، وتظهر بوضوح في فصل "بغداد في الليل"، حيث يتناقض صوت المذيعة التي تبث الطمأنينة وعود الاستقرار عبر الأثير، مع مشاهد المداهمات الليلية العنيفة والاعتقالات التعسفية التي تدور خلف الأبواب المغلقة. تكشف هذه الثنائية الفجوة السحيقة بين الهيكل الدعائي للسلطة والواقع المرير الذي يكابده المواطن.
أفق الكتاب الفكري والحضاري
يمثل كتاب "دهاليز الموت" وثيقة بحثية رفيعة المستوى لدارسي علم الاجتماع السياسي، وحقوق الإنسان، والذاكرة الجماعية، لكونه يمنحنا مادة خامًا لفهم كيفية اشتغال الديكتاتوريات والآثار العميقة التي تتركها في الوجدان الفردي والجمعي العام.
يأتي هذا المنجز الأدبي كمرثية كبرى للإنسان المسحوق تحت وطأة العسف، ونشيدًا خافتًا في آنٍ معًا للكرامة البشرية التي ترفض الانصياع. إنه نص يرسخ حقيقة كون الحرية قيمة وجودية كبرى لا تستقيم كينونة الإنسان من دونها، مبعِدًا إياها عن قوالب الشعارات الحزبية الضيقة. وفي عالمنا المعاصر، حيث يعيد العنف والتعصب إنتاج نفسيهما بأقنعة شتى، يغدو هذا الكتاب حصنًا معرفيًا للأجيال الجديدة، وتذكرة أخلاقية تلح على أن الدفاع عن الإنسان هو الواجب الحضاري الأسمى، وصوت أولئك الذين عبروا المضيق كي لا يضطر سواهم لعشية عبور جديدة.
**
سعاد الراعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* "دهاليز الموت.. رحلة في أعماق المعتقلات العراقية"
من تأليف الكاتب صباح كنجي، الطبعة الثانية، مطبعة مَهْدَرْ ألِمانيا، آذار/مارس 2016.
يقدّم هذا الكتاب ربورتاجاً صحفياً مطولاً يمتد على نحو مئتي صفحة، يوثق شهادة معتقل وسجين سياسي محكوم بالإعدام، يسرد فيها، بمرارة لاذعة وسخرية موجعة، تفاصيل ما شهده في المعتقلات والسجون العراقية منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، كاشفاً ما تعرّض له المعتقلون من أهوال وانتهاكات عبر سلسلة من الأحداث والتجارب الإنسانية القاسية.
ويُعد "دهاليز الموت" من الكتب النادرة التي تناولت، بتفصيل موثق، ما شهدته سجون النظام الدكتاتوري من قمع ممنهج وممارسات لا إنسانية. وكانت طبعته الأولى قد صدرت في دمشق عام 1996، إلا أن المخابرات السورية صادرتها من المطبعة قبل توزيعها. ورغم ذلك، نُشرت مقتطفات واسعة منه في الصحف والمجلات العراقية خلال فترات متعاقبة، قبل سقوط الدكتاتورية وبعدها، ليبقى الكتاب شهادة حية على واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي إيلاماً.