10-06-2026

قالوا: وضوء التيمم أطهر من الوضوء بالماء

لا أستطيع أن أوقف الزمن

هكذا قال مدلول لنفسه وهو يتأمل وجه أمه. كان يحدق في التجاعيد التي حفرتها السنوات على ملامحها، وفي خطوط الحزن التي استوطنت وجهها ويديها. بدا له وجهها الجاف كأحد أهوار الجنوب حين ينحسر عنه الماء، فتتشقق أرضه وتصرخ عطشًا مستنجدة بالسماء

كانت خدودها ويداها تشبهان أرض الهور حين يهجرها الماء. تلك الأرض التي احتضنتها يومًا بقلبها الكبير، كما احتضنت هي أبناءها بمحبة لا تنضب. لم يسألها أحد يومًا لماذا كانت تترك الوضوء بالماء وتلجأ إلى التيمم. كانت تضرب الأرض بكفيها، فيرتفع غبار التراب إلى وجهها، فتتنفس رائحة الطين التي تعيد إليها ذكريات الهور وطفولة العمر

كان مدلول، وقد تجاوز الخامسة والستين، يعرف الجواب. لم يكن بحاجة إلى أن يسألها بعد كل هذه السنين؛ فالأهوار كانت وطنها الأول والأخير، وكانت الأرض بالنسبة لها أمًا ثانية

ولدت خضرة في هور الحويزة، في منطقة الأهوار بمحافظة العمارة جنوب العراق. عاشت في بيت من القصب والبردي تحيط به المياه من كل الجهات. كانت الحياة هناك قاسية، لكنها بسيطة كنقاء أهلها وطيبتهم

اعتادت الأعمال الشاقة منذ صغرها؛ تحش القصب، وترعى الجاموس، وتعد الطعام لأسرتها. كانت تصنع الطابك والسياح والقيمر من حليب الجاموس، وتنهض قبل بزوغ خيوط الشمس الأولى لتبدأ يومًا جديدًا من العمل والكفاح، غير آبه بتعب الجسد ما دام بيتها وأهلها بخير

عرفها الناس في الأهوار امرأة عنيدة، صلبة في مواجهة الظروف، لا تتنازل عن حقها مهما كانت الضغوط. كانت تحرص على حماية زوجها وابنها وابنتها وهم ما زالوا صغارًا، وتتحمل المشاق بصمت كي تستمر الحياة

وفي الليل، حين يسكن كل شيء، كانت تبقى مستيقظة تحرس الجاموس وصغاره، والدجاج والبط وما تيسر من الطيور التي ألفتها وحفظت أسماء بعضها. كانت وحشة الليل لا تخيفها، فقد تعلمت من الأهوار الصبر ومجالسة السكون

مرت السنوات سريعًا، ولم تفكر يومًا في عدّها. كانت مشغولة بالحياة أكثر من انشغالها بالعمر

لكن السنين بدأت تثقل كتفيها. شعرت بأن الزمن يمضي كمنجل يحصد أعوامها عامًا بعد آخر. وحين اشتد المرض على زوجها وضاقت بهم سبل العيش، اضطرت إلى مغادرة الأهوار والانتقال مع زوجها وأبنائها إلى بغداد

هناك، في منطقة الصرائف، بدأت حياة جديدة أكثر قسوة. كانت تدرك صعوبة الظروف، لكنها كانت تخفي قلقها خلف ابتسامة صابرة. لم يكن خوفها على نفسها، بل على أبنائها الذين أصبحوا خمسة: ثلاثـة أولاد وبنتين

مرت الأيام، وكبر الأطفال أمام عينيها. كانت تفرح لكل خطوة يخطونها، ولكل نجاح يحققونه، رغم الفقر والتعب وضيق الحال

تعلمت بعض عادات المدينة وطباعها، لكنها بقيت وفية لما حملته معها من الأهوار: طيبة القلب، وعزة النفس، والصبر الطويل

وفي أحد الأيام، وبعد سنوات من استقرارها في بغداد، تقدم أحد أقاربها لخطبة ابنتها الصغرى. رفضت خضرة الطلب لأن ابنتها لم تكن راغبة في الزواج منه، ولم تستجب لضغوط الأقارب مهما اشتدت، مؤمنة بأن سعادة ابنتها أهم من إرضاء الآخرين

وحين كان مدلول يتأمل وجه أمه في سنواتها الأخيرة، أدرك بشيء من الندم أنه وأخاه ربما كانا سببًا في بعض ما سكن قلبها من حزن. فقد كبرا، وكبرت معهما هموم الحياة، دون أن يدركا حجم ما كانت تتحمله من أجلهما

لم تكن تشكو. كانت تردد دائمًا وهي ترتجف من التعب

"المهم أنكم معي في البيت"

وكانت تخفي خلف كلماتها البسيطة وجعًا عميقًا لا تبوح به

ثم جاءت الأيام التي تفرق فيها الأبناء، كلٌّ في طريقه، وبقيت خضرة تواجه وحدتها بصمت. كان فراق الأبناء وابتعادهم عنها أكثر ما أتعب قلبها وأرهق روحها

قال مدلول في نفسه

ليس الزمن وحده من سرق نضارة وجهها، بل الفقد أيضًا. الحياة تأخذ منا الذين أحبونا بصدق، دون أن تطلب منهم مقابلًا

رحلت خضرة أخيرًا، تاركة في قلب ابنها حسرة لا تنطفئ

كانت حسرة رجل لم يتمكن من رؤية أمه في لحظاتها الأخيرة

رحلت، لكن صورتها بقيت حيّة في ذاكرته: امرأة جاءت من الماء والطين والقصب، وعاشت عمرها كله تمنح الحب للآخرين

وحين كان يتذكرها، كان يفهم أخيرًا معنى التيمم الذي لازمها طوال حياتها؛ فقد كانت تتوضأ بالمحبة قبل الماء، وتتطهر بنقاء قلبها قبل أن تمس التراب بيديها

---------------------------------------

*جلال الدين الرومي (1207–1273)

قال (توضئ بالمحبة قبل الماء/ فأن الصلاة بقلب حاقد لا يجوز)