حوار افتراضي:
لقاء صحفي مع الحب.
مقدمة: في غرفة مضاءة بنور خافت وهادئة يملؤها ضجيج الأفكار، جلستُ انا الإنسان على كرسيّ خشبي أمام طاولة فارغة بكل تعب وحيرة أنتظر كائن غير مرئي لكنه حاضر في كل نبضة، لم يكن معي سوى دفتر ملاحظات وقلم، دُقّت الساعة الثالثة صباحاً حين فُتح الباب على مصراعيه، دخل شيء لا أعرف كيف أصفه يملأ الفضاء كله دون أن يشغل حيّزاً جلس أمامي وكان الحبّ، كان اللقاء فرصة لفك رموز هذه العلاقة الشائكة التي بدأت منذ بدء الخليقة، وبعدها تنهدُ بعمق وقلتُ لقد بحثتُ عنك في كل الوجوه، وفي صفحات الروايات، وفي الأغاني الحزينة، أحياناً أشعر أنك ترفعني إلى السماء، وأحياناً أخرى تدفنني حياً، قل لي بصراحة من أنت ولماذا تفعل بنا كل هذا؟ ويجيب الحب بصوت يجمع بين الحنان والصرامة، أنا لستُ لغزاً كما يدّعي شعراؤكم، ولستُ فخاً كما يزعم الفاشلون في تجاربهم، أنا ببساطة المرآة عندما تنظر إليّ أنت لا تراني، بل ترى حقيقتك المجردة من الزيف، أما لماذا أفعل بكم هذا فلأنني القوة الوحيدة التي تجعلكم تشعرون أنكم أحياء حقاً.
الصحفي: شكراً لقبولك الدعوة لم أكن أتوقع أنك ستأتي في هذه الساعة.
الحب: أنا لا أحترم المواعيد أأتي حين يتوقفون عن انتظاري، وأغيب حين يُعلنون العثور عليّ هذه طبيعتي، وقد اعتادها البشر منذ أن كانوا يرسمون على جدران الكهوف.
الصحفي: ابدأ بنا من البداية كيف تعرّف الإنسانُ عليك أول مرة؟
الحب: قبل أن يملك الإنسان كلمات، كنت موجوداً، كان طفلٌ ينظر إلى أمه وتنظر إليه، وفي تلك النظرة كنت أنا، لم يكن يعرف اسمي، لم يكن يحتاج أن يعرفه، الأسماء اخترعها البشر لاحقاً لأنهم يخافون مما لا يستطيعون تسميته، لكنني كنت هناك، في تلك اللحظة البدائية الأولى حين التقت عينان وقرّر قلب أن يبقى قريباً من قلب آخر.
الصحفي: الإنسان يشكو منك كثيراً. يقول إنك تُؤلمه، تُشتّته، أحياناً تُدمّره. كيف تردّ على هذه التهم؟
الحب: يُلقون عليّ التهم ثم يعودون إليّ، هذا هو جواب كافٍ أليس كذلك؟ لكن دعني أكون أكثر دقة أنا لا أُؤلم أحداً الألم يأتي من التوقعات الخاطئة، من الخوف، من الأنا المتضخمة التي ترفض أن تنكسر، أنا أطلب شيئاً واحداً فقط أن يترك الإنسان نفسه ليكون، وأن يترك الآخر ليكون حين يفعلون ذلك، أكون أجمل ما يعرفونه، حين يحاولون تملّكي وتحويلي إلى سجن يُقيمون فيه خوفهم، يتألمون ويُلقون بالتبعة عليّ، أنا لستُ مسؤولاً عن خوف الإنسان من الحرية.
الصحفي: قيل إنك تختفي بعد الزواج هل هذا صحيح؟
الحب: ابتسامة خفيفة أنا لا أختفي أنا أتحوّل الذين يقولون هذا يبحثون عن الإثارة الأولى، عن الفراشات في البطن وعدم القدرة على النوم تلك ليستُ أنا، تلك هي الشهوة الرومانسية، وهي جميلة لكنها ليست سوى مقدمتي، أنا الحقيقي أظهر حين يمرض أحدهم ويجلس الآخر بجانبه ساعات بلا كلام، أظهر حين يختلفان ويختارون الحوار بدلاً من الصمت المُعاقِب، أظهر في فنجان القهوة الذي يُعدّه أحدهم للآخر كل صباح منذ أن بدأت رحلة الزوجين مع بعضهما هذه هي صورتي الحقيقية، لكنها لا تُباع في الدراما والأفلام التجارية.
الصحفي: تحدث عن الحب الذاتي. البشر اليوم يقولون إنك يجب أن تُحبّ نفسك أولاً. هل توافق؟
الحب: هذه حقيقة أدركها البشر متأخرين، وأنا سعيد بذلك. لكنهم يُسيئون فهمها أحياناً فيحوّلونها إلى نرجسية. حب الذات الحقيقي ليس أن تضع نفسك فوق الجميع، بل أن تعرف نفسك جيداً حتى لا تُسمح لأحد بتعريفها نيابةً عنك. الإنسان الذي لا يُحبّ نفسه يأتي إليّ جائعاً وخائفاً، ويطلب من الآخر أن يسدّ فراغاً لا يستطيع أحد سدّه. هذا ليس حباً، هذا استهلاك عاطفي. لكن من يُحبّ نفسه بشكل صحيح يأتيني كاملاً ليُشارك، لا ناقصاً ليأخذ.
الصحفي: ماذا تقول لشخص فقدك، لمن يعيش الخسارة الآن؟
الحب: أقول له أنا لم أمت، بل أنا تحوّلتُ إلى كل لحظة جميلة عاشها ولا تزال حيّة في خلاياه، في طريقة ضحكته التي تغيّرت، في الأغنية التي لا يستطيع سماعها بنفس الطريقة، في القدرة التي اكتسبها على فهم الآخرين أكثر، الحزن الذي يشعر به هو أنا أيضاً، بشكل مختلف، لا يُحزن إلا من أحبّ، والذي أحبّ لا يخسر تماماً، حتى حين يخسر، أريده أن يعلم أيضاً، أنا لا أنتهي في شخص واحد، أنا لا أستوطن قلباً واحداً في الكون، أنا أكبر من ذلك بكثير.
الصحفي: هل أنت موجود بين العدوّين، هل يستطيع الإنسان أن يُحبّ من يكرهه؟
الحب: الأديان الكبرى طرحت هذا السؤال من قبلك، وأجبت عنه بأشكال مختلفة، أنا موجود في الرحمة، في العفو، في القدرة على رؤية إنسانية الآخر حتى حين يكون خصماً، هل هذا سهل لا، هل هو ممكن نعم، لكنه يتطلب شجاعة من نوع آخر، ليس كل إنسان قادر على ذلك، وليس مطلوباً منه دائماً، لكن أروع اللحظات في تاريخ البشرية كانت حين اختار أحدهم أن يُحبّ بدلاً من أن يكره، لا لأنه ضعيف، بل لأنه أدرك أن الكراهية تستهلك الحياة ولا تصنع شيئاً.
الصحفي: سؤال أخير وهو شخصي بعض الشيء هل أنت سعيد؟
الحب: صمت طويل أنا لا أشعر بالسعادة ولا بالحزن، أنا أشعر بالامتلاء حين يختارني البشر بوعي، وبشيء يشبه الحزن حين يتركونني خوفاً، لكن ما يُبهجني حقاً، إن كان لا بدّ من الكلمة، هو أن الإنسان رغم كل شيء رغم الحروب والخيانات والانكسارات لا يتوقف عن البحث عني، هذا يعني أنه في أعماقه يعرف أنني ضروري لوجوده مثل الماء والهواء وهذا يكفيني.
وفي ختام اللقاء لقد أرهقتك بأسئلتي، لكنني لا أزال خائفاً من أن أفني عمري في انتظارك ولا تأتي، أو أن تأتي وتغادر سريعاً، ما هي نصيحتك الأخيرة لي. شكراً لك لقد جعلتني أرى أن الوجع معك هو في الحقيقة وسام، وأن الطريق إليك، رغم وعورته، هو الطريق الوحيد الذي يستحق العناء. ويرد الحب نصيحتي هي توقف عن محاولة فهمي، وابدأ في أن تعيشني لا تحبسني في تعريفات منطقية، لأنني فوق المنطق، لا تنتظر اللحظة المثالية أو الشخص الكامل، فالكمال ليس من شيم البشر، كن شجاعاً بما يكفي لتفتح باب قلبك، حتى لو كنت تعلم أن الرياح قد تعصف به وفي النهاية، تذكر دائماً الإنسان الذي لم يعرف الحب، قد يكون عاش حياة هادئة، لكنه بالتأكيد لم يعش حياة حقيقية، وأنا سوف أذهب الآن ولا تقلق، أنا دائماً أقرب إليك من حبل الوريد، أنتظر فقط أن تناديني بصدق، وقبل أن أرفع رأسي لأشكره، كان قد رحل، ولم يُغلق الباب لم يودّع فقط اختفى كما يختفي الأثر بعد المطر غير موجود بشكل ملموس، لكن الأرض لا تزال رطبة، نظرت إلى دفتر ملاحظاتي كان فارغاً لم أكتب شيئاً طوال الحوار ربما لأن بعض الأشياء لا تُكتب، بل تعاش فقط، ويُجسّد هذا اللقاء الافتراضي حواراً صحفياً بين الإنسان وشخصية الحب في جلسة ليلية غير عادية وأبرز ما تناول الحوار هي ست محاور رئيسية أدناه.
1- وُلد الحب قبل اللغة، في أولى نظرات الأم لطفلها حين الولادة.
2- الألم لا يأتي من الحب، بل من التوقعات والخوف والتملّك الذي يفرضه الإنسان.
3- يتحوّل الحب بعد الزواج، لا يختفي ويظهر في التفاصيل الصغيرة اليومية.
4- حب الذات الحقيقي شراكة لا استهلاك بين الزوجين أو الحبيبين.
5- الخسارة العاطفية لا تمحو الحب، بل تُحوّله إلى ذكرى.
6- البشر لا يتوقفون البحث عن الحب رغم كل شيء وهذا يكفي.