في بغداد، حيث تتقاطع أزقة الفقر مع شوارع الأحياء الراقية دون أن يشعر أحد بالمسافة الحقيقية بينهما، كانت حياتي تسير على إيقاع واحد رتيب أستيقظ قبل آذان الفجر بقليل، أرتدي ثيابي الخشنة، وأخرج إلى الشارع حيث تنتظرني سيارة جمع القمامة كما تنتظر كل صباح، صدئة الحواف، تفوح منها رائحة الأيام التي مرّت على المدينة دون أن ترحمها.

كنا ستة عمال، نمرّ على الحاويات المصطفة أمام البيوت الفارهة، نجمع ما تخلّفه موائد الناس من بقايا لا يلتفتون إليها، بينما تمر الأصوات من حولنا نداءات الباعة، ضجيج السيارات، أصوات أطفال يذهبون إلى مدارسهم بحقائب ملونة وكأننا جزء من مشهد لا يُرى، ظلال تتحرك بصمت بين الناس لا أحد يوقف نظره علينا، لا أحد يسأل من أين أتى هؤلاء؟ وإلى أين يذهبون بعد أن تُغلق الحاويات؟ لكنني رغم كل ذلك، كنت أحمل في صدري يقيناً بسيطاً ورثته عن أبي اللقمة الحلال، مهما كانت متعبة، أكرم من مدّ اليد لأحد.

كان الشتاء قد بدأ يجفّف الطين في الأزقة، والضباب الخفيف يلفّ أعمدة الكهرباء المائلة، حين توقفت في ذلك الصباح الذي لن يفارق ذاكرتي ما حييت كانت هناك امرأة تقف قرب إحدى الحاويات، ملتفة بعباءة سوداء بالية، تُدخل يديها المرتجفتين بين أكياس القمامة بحثاً عمّا يسدّ رمقاً خلفها، وقف سبعة أطفال، أربعة صبيان وثلاث بنات، وجوههم شاحبة كأوراق الخريف، وعيونهم معلّقة بوالدتهم كأنهم ينتظرون معجزة صغيرة تخرج من بين الأوساخ.

تجمّدت في مكاني لم تتحرك قدماي، ولم أجرؤ على الاقتراب، خشية أن أزيد جراحها بنظرة، أو أن يراها أحد زملائي فتفقد ما تبقّى من كبريائها وقفت بعيداً، أراقب بصمت، بينما الدموع تحرق عيوني ومن الداخل يعتصر قلبي من الألم من شدة صعوبة الموقف رأيتها تلتقط قطع الخبز اليابس، وبقايا خضار ذابلة، تنظر خلفها بين الحين والآخر بخوف وكأنها تحمل خطيئة لا ذنب لها فيها، ثم تمسك بأيدي صغارها وتمضي مسرعة، هاربة من نظرات الناس أكثر من هروبها من رائحة القمامة، اقتربت من الحاوية بعد رحيلها، ووقفت هناك طويلاً، وقلبي ينكسر في صدري قطعة قطعة أنا أب، وأعرف تماماً ماذا يعني أن يرفع طفل عينيه إلى أمه وهو جائع، ولا تملك له جواباً.

في اليوم التالي، نزلت من سيارة القمامة قبل أن يصل إليها أحد من زملائي، وركضت نحو تلك الحاوية بقلب يخفق وجدتها هناك من جديد، المرأة ذاتها، الأطفال أنفسهم، الجوع الصامت ذاته يتكرر كطقس يومي لا يرحم وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت وكأن صوتاً خفياً يهمس في أعماقي كما رُزقت، فافعل ما تستطيع.

عدت إلى بيتي في ذلك المساء وقلت لزوجتي حضّري لي غداً طعاماً وافراً، لأم تبحث عن لقمة لأولادها بين القمامة صمتت لحظة، ثم دخلت المطبخ دون كلام وفي الصباح، أعطتني كيساً أسود مليئاً بالخبز الطازج والطعام النظيف، وضعت أنا بداخله ما استطعت من مال، وإن كان قليلاً.

وصلت إلى الحي مبكراً، قبل أن يستيقظ الشارع وأكيد قبل مجيء زملائي، ووضعت الكيس داخل الحاوية التي اعتادت المرأة أن تفتش فيها، ثم اختبأت خلف جدار قريب وبعد دقائق، جاءت مع أطفالها كعادتها، وبدأت تبحث حين وقعت يدها على الكيس، توقفت للحظة، فتحته بحذر، وحين رأت الطعام النظيف، جمدت يدها في الهواء، ثم ضمّت الكيس إلى صدرها وأجهشت بالبكاء الصامت أما الأطفال، فكانت عيونهم تلمع وكأن السماء قد فتحت لهم أبوابها في تلك اللحظة غادرت مسرعة مع أطفالها، ولم تلمس شيئاً آخر من الحاوية.

منذ ذلك الصباح، صار الكيس الأسود رسالتي اليومية إليها كنت أضع الطعام والمال كل يوم في المكان نفسه، دون أن تعرف من أنا، ودون أن أعرف حتى اسمها. كنت أراها من بعيد، وأشعر أن الله قد سمح لي أن أكون سبباً في رحمة صغيرة لعائلة أثقلتها الحياة.

ومع مرور الشهور، بدأ الخير ينزل عليّ من حيث لا أحتسب تُرقّيت من عامل نظافة إلى مراقب عمل، ثم إلى مسؤول قسم في دائرة البلدية وامتلأ بيتي بالبركة، رغم أنني لم أفهم يوماً من أين تأتي كل هذه النعم لكنني، رغم تبدّل موقعي، لم أتخلَّ عن عادتي كنت أخرج كل صباح، قبل التوجه إلى عملي، وأحمل الكيس الأسود بنفسي، أضعه، ثم أختبئ بعيداً كما اعتدت.

مرت السنون، وبدأت ألاحظ أن الأطفال لم يعودوا يرافقون أمهم إلى الحاوية ظننت أنهم عادوا إلى مدارسهم، أو أنها أرادت أن تحميهم من ذلك المشهد واستمر الأمر ثمانية عشر عاماً متواصلة، لم أتوقف يوماً واحداً، حتى بعد تقاعدي من الوظيفة، لأن ذلك الفعل الصغير صار أجمل ما أفعله في حياتي كلها.

لكن ذات صباح من أيام الشتاء الباردة، لم تأتِ المرأة مرّ يوم، ثم أسبوع كامل، والكيس يبقى في مكانه دون أن تمتد إليه يد شعرت بخوف يعتصر قلبي، خوف لم أعرف مثله من قبل بحثت عنها بين سكان الحي، حتى دلّني أحدهم على بيت متواضع في منطقة سكنية منسية، قريبة من ذلك الحي الراقي الذي لطالما فصل بين عالمين لا يلتقيان.

طرقت الباب، ففتح لي شاب في مقتبل العشرينات، أنيق الهيئة، هادئ الملامح سألته هل هنا تسكن أم خالد؟ تغيّر وجهه فجأة، وقال هل تعرف أمي؟ أجبته بصوت مرتجف كنت أساعدها من بعيد فقال بلهفة تفضل يا عمّو، ادخل.

دخلت مكاناً بدا لهؤلاء قصراً مقارنة بما كانوا فيه من قبل وهناك، على الجدار، رأيت صورتها معلّقة، يحيط بها شريط أسود فهمت قبل أن ينطق قال الشاب بصوت مثقل بالحزن أمي توفيت منذ ثلاثة أشهر جلست، وانهمرت دموعي كطفل أخبرني أنها، قبل رحيلها، كانت تتحدث دائماً عن رجل لا تعرف اسمه، كان يترك لها الطعام والمال في كيس أسود، وتقول لأولادها هذا ملاك أرسله الله من أجلكم.

ثم دخلت فتاة صغيرة تحمل صندوقاً قديماً، وقالت أمي تركت هذا لصاحب الكيس الأسود فتحت الصندوق، فوجدت صورة قديمة للأطفال كما كنت أراهم في تلك السنوات البعيدة، وبعض العملات المعدنية، ورسالة مطوية بعناية كان على غلاف الرسالة مكتوب إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يُطعم أطفالي، لا أعرف اسمك، لكن الله يعرفك، كنت أبحث في القمامة وأنا أموت خجلاً، فجعلتني أعود إلى بيتي وكأنني اشتريت الطعام بيدي، أنت لم تُشبع جوع أولادي فقط، بل حفظت قلوبهم من الانكسار، سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي، وإنشاء الله وتعرفت على أولادي تذكّرني في صلاتك بعد موتي.

لم أستطع إكمال قراءة الرسالة من شدّة الموقف المؤثر والحزين والبكاء وكانت المفاجأة الأكبر حين أمسك الشاب بيدي وقال يا عمّي، المال الذي كنت تعطيه لأمي جعلنا نكمل تعليمنا أنا أصبحت معلماً، وأختي ممرضة، وأخي مهندس كبرنا ونحن نسمع أمي تردد لا تنسوا صاحب الكيس الأسود.

في تلك اللحظة، أدركت أن الرحمة الصغيرة، حين تُصنع بحب، قادرة على أن تغيّر مصير عائلة بأكملها، خرجت من ذلك البيت إنساناً آخر لم أكن غنياً، ولا صاحب منصب رفيع، ولا أملك في نظر العالم شيئاً عظيماً، لكنني تعلمت أن الله لا يحتاج إلى أيدٍ ممتلئة، بل إلى قلوب ممتلئة حباً.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بحاوية قمامة في شوارع بغداد، لا أرى فيها نفايات فحسب، بل أرى فيها أماً كانت تبحث عن الحياة لأطفالها في مدينة أنهكتها الحروب والفقر، ولم تعد ترى أبناءها إلا كأرقام في زحام النسيان، وأقول في نفسي دائماً ربما لا يستطيع الإنسان أن يغيّر العالم كله، لكنه يستطيع أن يكون نوراً صغيراً في عتمة إنسان واحد، فالرحمة التي تُقدَّم في الخفاء يراها الله، ويفرح بها، وسيجازي صاحبها لا محالة.

جاكوب شامايا