القبيحة التي أصبحت دكتورة الرحيل الأول في العشرين من عمرها، وحين كان قلبها لا يزال يافعاً كوردة لم تتفتح بعد، فقدت المرأة زوجها، وتركها الدهر وحيدة تحمل بين ذراعيها بنتين الأولى جميلة كفجر ربيعي، حلوة الملامح، تخطف الأنظار أينما حلّت والثانية عادية الشكل، بسيطة الملامح، لم تحظَ من الجمال بما حظيت به أختها ومنذ نعومة أظفارها، لم تُنادَ هذه الصغيرة باسمها قط، بل لصقت بها كلمة القبيحة كوصمة لا تُمحى، حتى صارت هويتها الوحيدة في أفواه من حولها مرّت الأيام تباعاً، والأم لا تزال في مقتبل شبابها، فبدأ الخُطّاب يطرقون بابها، إلى أن جاء رجل أرمل لا أهل له ولا سند رأت فيه الأم المناسب الذي لا ينازعها على بناتها لكن قبل ليلة زفافها بيوم واحد، جلست إلى أمها وقالت بصوتٍ بارد كالحديد لن آخذ البنتين معي إلى بيت زوجي سآخذ الجميلة، وأترك القبيحة عندك سألتها أمها عن السبب، فأجابت لا أريد أن أُثقل على الرجل وافقت الجدة، وكأن القدر قد اختارها لتكون الملاذ الوحيد لهذه الطفلة البريئة، التي كانت في تلك اللحظة مستلقية على فراشها، تسمع بأذنيها الصغيرتين حكم مصيرها يُصاغ في الغرفة المجاورة. فانهمرت دموعها في صمتٍ موجع، دموع طفلة اكتشفت أن الحب في هذا العالم يُوزَّع بمعايير الجمال، لا بمعايير القلب.

بذرة في تربة الجدة تزوجت الأم، ومرت ثلاثة أيام حتى أتت لتأخذ ابنتها الجميلة، فرحةً مزهوة، تاركةً خلفها الصغيرة العادية تبكي وتتشبث بثوب جدتها، دون أن يجدي بكاؤها نفعاً مرت السنوات، وكانت الفتاة دائمة الحزن، تحمل في صدرها انكساراً لا يشفيه العناق لكن الجدة، تلك المرأة التي حملت حكمة العمر في عينيها، جلست يوماً إلى حفيدتها وقالت يا بنتي، تستطيعين أن تجعلي هذا العالم كله يحترمكِ، وتكونين أفضل من الجميع سألتها الصغيرة كيف يا جدتي؟ فأجابت بالعلم تفوّقي في دراستكِ، وخذي مكانة مرموقة في المجتمع، فيكون احترامي معلّقاً على جبينكِ ذهبت الجدة إلى معلمة فاضلة، وشرحت لها حال الصغيرة التي تُنمَّر عليها زميلاتها لأن أمها هجرتها، فردّت المعلمة بقلبٍ رحيم أحضريها إليّ، وسأكون إلى جانبها ومنذ تلك اللحظة، أصبحت هذه المعلمة ملاذاً ثانياً، تجلس مع الفتاة، تحاورها، تُخرجها رويداً رويداً من دهاليز أزمتها النفسية.

طريقان متوازيان وفي يومٍ من الأيام، عادت الأم إلى بيت أمها، وابنتها الجميلة إلى جوارها، تبكيان همّاً مشتركاً هذا الرجل يضربنا ولا يُنفق علينا فقالت الجدة بحزم من عاش التجربة يا بنتي، هذا ما اخترتِه بإرادتكِ، لم يُكرهكِ أحد ومضت السنون، والطريقان يتباعدان أكثر فأكثر الفتاة العادية تتسلق سُلَّم التفوق درجةً درجة، والمعلمة تحتضنها كأمٍّ لم يرزقها الله بالأبناء، حتى صارت الصغيرة ابنتها بالروح إن لم تكن بالدم أما الأم وابنتها الجميلة، فكل يوم يأتي بشكوى جديدة من قسوة الزوج وضيق العيش وفي أحد الأيام، سألت أم البنتين والدتها أي الجدة عن ابنتها الجميلة، فأجابت الجدة لا نراها إلا حين تأتي معكِ غابت الفتاة يومين، ثم عادت وقالت الأم لها اين كنت الفتاة قالت عند صديقتي الأم قالت سألناها قالت لم أرها قالت الفتاة أنا قلت لها تقولي لامي انه كنت عندكِ بحجة الزعل ورغبتها في تغيير الجو عند صديقتها لكن الصديقة نفسها جاءت لاحقاً تكشف الحقيقة المرة أن الفتاة الجميلة باتت تتردد على شقق وبيوت مشبوهة، وأنها انزلقت إلى عالم الليل المظلم غضبت الأم وضربت ابنتها، لكن الجرح كان قد تجاوز حدود الترميم.

الفراق ثم اللقاء أنهت الفتاة العادية أي القبيحة دراستها الإعدادية، وفي صباح عادي، جهّزت فطورها استعداداً للمدرسة، ونادت جدتها جدتي، جدتي، فلم يجبها صوت كانت الجدة قد أسلمت الروح بهدوء، تاركةً حفيدتها وحيدة في عالمٍ بلا سند جاءت الأم وابنتها، جلستا أسبوعاً للعزاء، ثم رحلتا تاركتين الفتاة تواجه مصيرها بمفردها انتهى الشهر، وطرق صاحب الشقة بابها يطالبها بالإيجار اعتذرت بأنها طالبة لا تملك مالاً، فجاء الرد قاسياً عليكِ المغادرة وبينما كانت تفكر في مصيرها المجهول، رنّ جرس الباب، وإذا بمعلمتها تقف أمامها احتضنتها الفتاة وهي تبكي، فطبطبت المعلمة على كتفها بحنانٍ الأم الحقيقية وقالت ستأتين معي، ستسكنين عندي لم يرزقني الله بالأبناء، ومن اليوم أنتِ ابنتي كانت المعلمة قد جهّزت لها غرفة خاصة، بكل ما تحتاجه، وقالت بصوتٍ يفيض دفئاً أنتِ ابنتنا من اليوم فازدهرت الفتاة في دراستها، وصارت من أوائل الطلبة على مستوى العراق، الثالثة على مستوى المحافظة، وكان حلمها الوحيد أن تصبح طبيبة.

التتويج توفي زوج المعلمة، وبقيت الفتاة إلى جانبها سنداً ووفاءً وجاءت لحظة التخرج التي طال انتظارها، فقالت الفتاة لمعلمتها أريد أن أرى أمي وأختي، أريد أن أثبت لهما أنني درست وتفوقت، وأنني لست القبيحة التي كانوا ينادونني بها أنا الآن دكتورة وسوف أعمل في مدينة الطب ببغداد ذهبتا معاً إلى بيت الأم القديم، لكن الجارة استقبلتهما بخبرٍ صادم أن الزوج طلّق الأم بسبب ابنتها التي انحرفت إلى عالم الليل، وأن الأم عجزت عن دفع إيجار البيت فرحلت عادت الفتاة حزينة، لكنها لم تتوقف، وتخرجت لتصبح معيدة في كلية الطب بجامعة بغداد، ثم مديرة قسم في مدينة الطب، امرأة مرموقة يُشار إليها بالبنان.

القدر لا يأتي فرادى تعرّفت الدكتورة على طبيب زميل من عائلة ثرية، وتزوجا قالت لها المعلمة يومها لم يكن لي أبناء، كنتِ أنتِ دنياي كلها، وكل ما أملك هو لكِ، وهذه وصية زوجي قبل رحيله وكان كل شيء قد رُتِّب قانونياً عند المحامي وفي يومٍ من الأيام، جاءت الدكتورة إلى المستشفى تسأل عن زوجها، فقيل لها إنه في غرفة العمليات ينقذ حالة طارئة فتاة جميلة جداً ألقت بنفسها أمام سيارة في محاولة انتحار ارتدت الدكتورة ثياب العمليات لتساعد زوجها، ودخلت غرفة العمليات وهناك، وقعت عيناها على وجه أختها لم تتمالك نفسها، خرجت تبكي، وخرج زوجها ليعلن أن الفتاة قد فارقت الحياة سألوا عمّن رافقها، فإذا هي الأم، التي تفاجأت بيدٍ رحيمة ورؤوف تمتد نحو رأسها وكتفها، وصوتٍ يقول يا أمي والأم مصدومة من هول الصدمة الفتاة التي كانت الجميلة والمدللة توفت بعد انحرافها وأصبحت من بنات الليل والفتاة التي كانت تناديها بالقبيحة الآن هي من وقفت الى جانبها تواسيها، كفى، هذا حال الدنيا، أختي توفيت وبقيت تواسيها، تقول لها إن هذا كان نصيبها، جاءت ممرضة تخبر الدكتورة أن زوجها يطلبها في غرفته على عجل سألت الأم من هي الدكتورة؟ فأجابت ابنتها بصوتٍ يرتجف من فرحٍ ممزوج بألم أنا، يا أمي أنا الدكتورة أصبحتُ أنا القبيحة دكتورة وهنا ركعت الأم على قدمي ابتها تستسمحها وابنتها الدكتورة لا بأس هيا يا أمي، تعالي لتعيشي معي ترددت الأم، لكن ابنتها أصرّت ستأتين معي، ستعيشين معي وقالت لزوجها سآخذ أمي معي، وأمي الثانية، ويعيشان معي في البيت، فالبيت كبير يسع الجميع فأجابها زوجها بحبٍّ صادق أنتِ زوجتي العزيزة، وكل ما يريحكِ سيكون.

وهكذا، تحمل هذه القصة بين طياتها دروساً عميقة في الإنسانية أن الجمال الحقيقي لا يُقاس بملامح الوجه، بل بصلابة الروح وإصرارها على النهوض من رماد الجرح وأن الحب الذي يُمنح بلا قيد، كحب الجدة والمعلمة، هو الذي يصنع المعجزات، ويحوّل القبيحة التي نادتها الألسنة القاسية، إلى امرأة يُشار إليها بالبنان، تحمل في يديها القدرة على الشفاء، وفي قلبها القدرة على الغفران.