في ظهيرة صيف قائظه، وفي حي راقٍ من أحياء المدينة، دفعت لمى الرشيدي كرسيها المتحرك على الرصيف الحجري أمام مقهى هادئ، تستريح من حرارة الشمس تحت مظلة قماشية بيضاء، كانت لمى قبل خمس سنوات واحدة من أبرز رائدات الأعمال في مجال التقنية، ظهرت صورتها على أغلفة المجلات الاقتصادية، وأُشيد بذكائها وجرأتها في كل محفل لكن حادث سيارة غيّر كل شيء في لحظة واحدة، سلبها القدرة على المشي، وسلبها معه معظم فرحتها منذ ذلك اليوم، انزوت في شقتها الفخمة أعلى برج زجاجي يطل على المدينة، وصار كرسيها المتحرك رفيقها الوحيد الذي لا يفارقها.
بينما كانت تُصلح نظارتها الشمسية، سمعت صوتًا خجولًا يتردد خلفها عفوًا يا سيدتي هل تسمحين لي أن أساعدك في العلاج، مقابل هذا الطعام المتبقي؟
التفتت لمى بدهشة كان يقف أمامها صبي لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، بشرته سمراء تلمع بقطرات العرق، وقميصه القديم مرقّع من أكثر من موضع، وحذاؤه يكاد ينخلع من قِدَمه كان يحمل كيسًا ورقيًا مجعّدًا كأنه أثمن ما يملك، لكن عينيه رغم الجوع الظاهر فيهما كانتا تحملان شيئًا آخر عزيمة لا تليق بطفل في مثل سنّه، كان اسمه سامر لم يكن يعرف له أبًا ولا أمًا، فقد نشأ في دار للأيتام على أطراف المدينة، وحين بلغ الثانية عشرة غادرها ليعمل في أي شيء يسد رمقه، ناقلًا صناديق، أو غاسلًا للأطباق، أو حاملًا لأكياس التسوق، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن شغفه الغريب العلاج الطبيعي، كان يقضي ساعاته في المكتبة العامة يقرأ عن العضلات والأعصاب، ويشاهد مقاطع فيديو تعليمية على هاتف مستعار من صديق، ويتدرب على نفسه بما تيسّر له من معرفة.
ضحكت لمى بسخرية خفيفة في البداية، ظنّت أنه سيطلب مالًا أو يختلق قصة مؤثرة كما يفعل كثيرون لكن جدّيته أربكتها، سألته ماذا قلت للتو؟ ابتلع سامر ريقه وأجاب أستطيع أن أساعدك لتصبحي أقوى، درست تمارين العلاج الطبيعي بنفسي، وأعرف تمارين قد تُعيد لساقيك بعض حركتهما لكنني لا أستطيع الاستمرار إن لم آكل أرجوك حدّقت فيه لمى، لا تدري أتغضب من جرأته أم تنبهر بصدقه، لقد أخبرها أفضل الأطباء وأمهر المعالجين أن تحسّنها أمر شبه مستحيل ومع ذلك، ها هو صبي بلا عائلة، بلا مأوى ثابت، يقف أمامها بثقة من جرّب القسوة ولم ينكسر.
بعد صمت طويل، أشارت إلى كيس الطعام على حجرها وقالت حسنًا، ساعدني ولن تجوع بعد اليوم، في صباح اليوم التالي، وقف سامر أمام باب شقة لمى الفاخرة، متوترًا لكنه ثابت، يحمل دفتر ملاحظات مليئًا بخط يده الطفولي عن تمارين استلهمها من الكتب تجوّل بخطى مترددة بين الأرضيات الرخامية والجدران الزجاجية، شاعرًا أنه غريب تمامًا في هذا العالم اللامع.
قالت له لمى بسخرية حسنًا أيها المدرّب الصغير، أرني ما لديك، بدأ سامر بتمارين تمدد بسيطة، يُسند ساقيها بعناية، ويشجعها على الدفع بلطف ضد المقاومة كرهت لمى الألم في البداية، وكرهت الإحباط أكثر حين فشلت في أبسط الحركات لكن إصرار سامر لم يهتزّ، كان يقول لها كل مرة أنتِ أقوى مما تظنين تكرار واحد إضافي فقط لا تتوقفي الآن، يومًا بعد يوم، عادا إلى التمرين أثقال يدوية خفيفة، تمارين توازن، ومحاولات للوقوف بمساعدة لعنت لمى الألم، وبكت من الإحباط، وكادت تستسلم مرارًا، لكن سامر لم يتراجع قط، كان يحتفل بأصغر انتصار ارتعاشه في قدمها، ثانية إضافية من الثبات وكأنه فوز أولمبي.
في الوقت نفسه، بدأت الشقة الباردة الصامتة تتغيّر امتلأت بالضحك، وبنكات سامر البريئة، وبإيقاع الجهد المشترك، حتى مساعدة لمى الشخصية لاحظت الفرق صارت سيدتها تبتسم أكثر، وتصدر أوامر أقل، بل وبدأت تسأل عن حياة هذا الفتى، وما عرفته جعلها تتواضع لم يكن لسامر أهل يعودون إليه في المساء، ولا سرير ثابت ينام عليه كل ليلة، بل كان يتنقل بين دار الأيتام وبيوت معارف طيبين ومع ذلك، وجد دائمًا وقتًا للتعلّم، يتسلل إلى المكتبة العامة قبل إغلاقها، ويرفض أن يستسلم لظروفه، رأت لمى في عزيمته صدى من عنادها هي حين بنت شركتها الأولى، لكنها أدركت أن سامر يملك أدوات أقل بكثير، وفرصًا أضأل.
بعد ثلاثة أسابيع من الجهد المتواصل، حدث ما لم تتوقعه لمى وقفت وحدها، ممسكة بظهر الأريكة، جسدها يرتجف، لكن ساقيها حملتاها قرابة نصف دقيقة امتلأت عيناها بالدموع وهي تهمس لم أشعر بهذا منذ سنوات، ابتسم سامر ابتسامة واسعة وقال أخبرتُك كنتِ فقط بحاجة إلى من يؤمن أن الأمر ممكن، مرّت الأشهر صار جسد لمى أقوى شيئًا فشيئًا، لكن الأهم أن روحها استعادت نبضها، بدأت تخرج من شقتها من جديد، تمشي خطوات قصيرة في الحديقة المجاورة، وسامر إلى جانبها دومًا، بينما صار الكرسي المتحرك مجرد احتياط بدلًا من أن يكون سجنًا.
وتغيّر سامر أيضًا مع الطعام المنتظم، والملابس النظيفة التي أصرّت لمى على توفيرها له، ومع تشجيعها المستمر، اكتسب وزنًا وحيوية وأملًا جديدًا، ولأول مرة في حياته، بدأ يتحدث عن المدرسة التي طالما حُرم من استقرارها، وعن حلمه بمنحة دراسية، بل وعن رغبته في دراسة الطب يومًا ما ليصبح معالجًا حقيقيًا، في إحدى الأمسيات، جلسا معًا على مائدة العشاء في شقة لمى، نظرت إليه عبر الطاولة، فرأت في عينيه بريق العزيمة نفسه الذي رأته في أول لقاء بينهما، وشعرت بامتنان لم تعرفه منذ سنوات طويلة.
قالت بهدوء لقد فعلت أكثر من مساعدتي على المشي مجددًا، لقد ذكّرتني لماذا تستحق الحياة أن نقاتل من أجلها، مسح سامر فتات الخبز عن شفتيه وهو يبتسم وأنتِ منحتِني فرصة لم أكن أظن يومًا أنني سأحصل عليها وهذا أثمن من أي طعام، بدأ خبر تعافي لمى التدريجي ينتشر بين معارفها، وحين سألها أصدقاؤها عن سرّ تقدّمها، فاجأتهم بأن الفضل يعود إلى صبي يتيم لا يملك عائلة ولا اسمًا يُذكر في سجلات المدنية، لا إلى عيادة باهظة الثمن أو طبيب مشهور، رفع بعضهم حاجبيه دهشة، وأعجب آخرون بصدقها، لكن لمى لم تُبالِ، فقد عرفت أخيرًا ما يستحق الاهتمام حقًا.
المليونيرة التي عاشت في عزلة طويلة وجدت حريتها، لا عبر الثروة أو الشهرة، بل عبر يتيم رفض أن يستسلم لقسوة العالم، والفتى الذي كان يتسوّل بقايا الطعام يومًا، وجد أخيرًا هدفًا، وكرامة، وعائلة اختارها القلب حين خذله النسب، وكل ذلك بدأ بسؤال واحد، طُرح بشجاعة مرتجفة في ظهيرة قائظه هل تسمحين لي أن أعالجكِ، مقابل ذلك الطعام المتبقي.