يمضي الإنسان نحو الموت... ليمنح الحياة بقاءً أطول"* 

وُلد المعلم نافع طعمة في منطقة الصرائف ببغداد، وهي لم تكن مدينة بالمعنى الحقيقي، بل تجمعات سكنية عشوائية شُيّدت بيوتُها من القصب والطين، وسكنها مهاجرون قدموا من مدن الجنوب، ولا سيما مدينة العمارة، خلال خمسينيات القرن الماضي، بحثًا عن لقمة العيش 

قضى نافع طفولته الأولى في تلك البيئة الفقيرة، قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة الحرية، حيث اشترى والده مع شقيقه بيتًا صغيرًا لا تتجاوز مساحته ثمانين مترًا مربعًا. ومع ضيق المكان وكثرة أفراد الأسرة، اتفق الأب مع أخيه على شراء حصته ليصبح البيت ملكًا للعائلة وحدها 

كبر نافع، والتحق بالمدرسة الابتدائية، وكان تلميذًا مجتهدًا يعشق الدراسة، كما أحب كرة القدم عشقًا كبيرًا. سرعان ما عُرف بين أصدقائه بمهارته العالية، فأصبح مهاجم الفريق بلا منازع، يجمع بين الذكاء في الدراسة والموهبة في الملعب 

بعد إنهائه الدراسة الثانوية، التحق بدار المعلمين، لكنه واصل ممارسة كرة القدم مع الفرق الشعبية في المدينة، لا طمعًا في الشهرة، بل حبًا للعبة وللأوقات الجميلة التي يقضيها مع أصدقائه. ومع ذلك، كان يدرك أن مستقبله الحقيقي يكمن في مهنة التعليم، فهي التي ستوفر له ولعائلته حياة أكثر استقرارًا، بينما لم تكن كرة القدم قادرة على تأمين لقمة العيش 

ومع مرور الوقت، بدأت هوايته المفضلة تتراجع بسبب متطلبات الدراسة، فلم يعد يجد وقتًا للعب إلا في بعض أيام الجمعة. وفي معهد المعلمين أدرك أن الرسالة التي تنتظره أعظم من مجرد وظيفة؛ إنها مسؤولية صناعة الأجيال وغرس حب العلم والمعرفة في نفوسهم 

بعد تخرجه، عُيّن معلمًا في مدرسة المعرفة ضمن منطقة الكاظمية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته 

ولم يكن الحب بعيدًا عن قلب نافع، فقد كان رجلًا طيبًا، رقيق الإحساس، يتمتع بوسامة وحضور لافت. وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء الدوام الرسمي، وبينما كان متجهًا إلى موقف سيارات الأجرة عائدًا إلى مدينة الحرية، التقت عيناه بعيني امرأة في نظرة خاطفة، لكنها كانت كافية لتسحر قلبه 

كانت ترتدي تنورة زرقاء تصل إلى الركبتين، وقميصًا أبيض، وشالًا مطرزًا يلتف حول عنقها. عاد إلى منزله وهو غارق في التفكير بها، متسائلًا: من تكون؟ وهل سأراها مرة أخرى؟ 

وفي اليوم التالي، استطاع عبر زملائه وبعض معارفه أن يعرف عنها ما يكفي ليفتح باب التعارف. ومع الأيام تحول الإعجاب إلى حب، ثم تُوّج ذلك بزواج سعيد أثمر خمس بنات، أصبحن أعظم فرحته في الحياة 

كرّس نافع عمره لتربيتهن، وبذل كل ما يستطيع ليؤمن لهن تعليمًا جيدًا ومستقبلًا كريمًا، مؤمنًا بأن نجاحهن هو نجاحه الحقيقي 

مرت السنوات سريعًا، حتى جاء موعد التقاعد الذي لم يكن يرغب فيه، لكنه تقبله مضطرًا. وخلال حياته واجه ظروفًا قاسية؛ فقد أُجبر على المشاركة في حرب الثمانينيات، ونجا من الموت أكثر من مرة. لذلك، حين عاد إلى منزله سالمًا بعد انتهاء الحرب، كانت فرحة عائلته لا توصف 

وفي التسعينيات، زادت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فوجد في التدين والعبادة ملاذًا نفسيًا يخفف عنه قسوة الحياة، حتى أصبح شديد المواظبة على الصلاة وزيارة المراقد الدينية 

ومع تراجع دخله بعد التقاعد، اضطر إلى البحث عن عمل جديد، فافتتح محلًا صغيرًا لبيع الملابس في الشورجة. تحسنت أحواله المادية نسبيًا، إلا أن العمل كان شاقًا على صحته، لكنه تحمل المشقة من أجل تعليم بناته وتأمين مستقبلهن 

ورغم سعادته بهن، بقيت في قلبه أمنية قديمة: أن يُرزق بولد يحمل اسمه من بعده. ظل يدعو الله في صلاته، ويكرر الدعاء في زياراته للأئمة، حتى استجاب الله أمنيته، فرُزق بولد، فغمرت الفرحة قلبه، واختار له اسمًا تيمّنًا بأحد الأئمة 

لكن الحياة كانت تُخفي له امتحانًا آخر 

بدأ يشعر بصداع شديد، ثم صار يتلعثم في الكلام، ويسقط أحيانًا على الأرض بينما يهتز جسده بنوبات غريبة. انعكس المرض على مزاجه، فأصبح سريع الغضب والانفعال. نصحته زوجته بترك العمل ومراجعة الأطباء، خصوصًا بعد تعرضه للسرقة وخسارته جزءًا من ماله وبضاعته 

تنقل بين المستشفيات والأطباء داخل العراق، لكن أحدًا لم يتمكن من تشخيص حالته بدقة، فنصحوه بالسفر إلى الخارج 

حمل ملفاته الطبية، وسافر وهو يتمسك بخيط رفيع من الأمل. وبعد سلسلة طويلة من الفحوصات، لم يجد الأطباء تفسيرًا واضحًا لمرضه، واقترحوا إجراء عملية جراحية لفتح جانب من الجمجمة، لعلهم يعثرون على ورم أو سبب خفي 

وافق نافع على العملية بعد أن وقّع إقرارًا بتحمل جميع نتائجها، وقال في نفسه: لقد أنهكني هذا الألم، ولم يعد أمامي طريق آخر 

أُجريت العملية، ونجحت من الناحية الطبية، وعادت عائلته تملؤها الفرحة، رغم الأموال الطائلة التي أُنفقت عليها مقارنة بإمكاناتهم المحدودة 

لكن تلك الفرحة لم تدم طويلًا 

بعد عودته إلى العراق، بقي طريح الفراش معظم الوقت. ومع مرور الأسابيع، عادت التلعثمان، وتغير سلوكه تدريجيًا. صار يصرخ في وجه زائريه أحيانًا ويطردهم، وتورمت ساقاه، وأصبح يفقد ذاكرته بين حين وآخر، ثم عادت نوبات الدوار والسقوط 

كان الألم ينهش جسده بلا رحمة، والأشد قسوة أنه أصبح يرى نفسه يتصرف بطريقة لا تشبه المعلم الذي ربّى أجيالًا على الأخلاق والعلم 

وذات يوم، وقف أمام المرآة طويلًا، يتأمل وجهًا لم يعد يعرفه، ثم قال بصوت خافت 

"ربما يكون الموت أكثر رحمةً بي من هذا الألم ......الذي لم يترك مني شيئًا." 

--------------------------------------- 

الشاعر أدونيس(علي أحمد سعيد 1930-