العصور العجاف:
هذي عصورٌ عِجافٌ نبتُها دُوَلٌ
مِنْ دولةِ الشرِّ حتى دولةِ السَفَلِ
إنَّ التي لوَّنَتْ يوماً عباءَتها
بصبغةِ الحقِّ أمسَتْ صِبغةَ الحِيَلِ
إنَّ الخيولَ اللواتي رُحْتَ تُسرجُها
في ساحةِ النَّومِ كانَتْ لُعبةَ الزَلَلِ
هذي عوالِمُنا تشكو الأفاعي وما
مِنْ رادعٍ ينتضي قنَّاصةَ العِلَلِ
إنْ كانَ قائدُنا مِنْ طينةٍ أسُنَتْ
فشيمةُ القومِ رقَّاصٌ على طَلَلِ
* * *
الصخر:
الصَّخرُ فيما يحملُ الموجودُ
ألماً يُريقُ فؤادُهُ الموجودُ
أنا إنْ أجبتُكَ ما استطعتُ تحمُّلاً
ما قد يقولُ فؤاديَ المعمودُ
سرُّ الوجودِ جراحُنا ونزيفُنا
وكؤوسُها بينَ الشِّفاهِ تزيدُ
لا سُكرَ يحسُنُ أنْ نميطَ لِثامَهُ
فالأمنُ في خطواتِنا مفقودُ
حتى الثُّمالةِ يُستباحُ طريقُنا
والبابُ في جدرانِنا مسدودُ
* * *
الخداع:
نخادعُ النَّفَس إذْ ندعو وننتظرُ
نهايةُ الدَّربِ وعدٌ زادُهُ الخَبَرُ
وخيرُ ما فيهِ لا خَزٌّ ولا ذَهَبٌ
بلْ ما تركْنا وما قالتْ بهِ السِّيَرُ
هي السِّنينُ حسابٌ نحنُ ندفعُهُ
وسَكرةٌ مِنْ كؤوسٍ مِلؤُها العِبَرُ
ياصاحبي لا يغرَّ القومَ مُلكُهُمُ
أيَّامُنا دَورةٌ دولابُها القَدَرُ
اليومُ كالأمسِ يمضي مثلَ قاطرةٍ
فصاعدٌ، نازلٌ، والجامعُ السَّفَرُ
* * *
القرنُ الجديدُ:
هذا هوَ القَرْنُ الجديدُ فلا غَرابةْ
الْحَقُّ فيهِ جريمةٌ والْعيشُ غابَةْ
بالْأمسِ كُنَّا صَفْوَةً مَهْيُوْبَةً
فِكْرٌ يُنِيْرُ وصَوْتُنَا جَمْعُ الصَّحَابَةْ
ما كانَ يَعْلُوْ فَاسدٌ وَمُزَوِّرٌ
أوْ قاتِلٌ يُشْرَى يُبَاعُ بِلا رَقابَةْ
أوْ عَاِطِلٌ مُتَنَمِّرٌ مُتَبَخْتِرٌ
كالْبُوْمِ حَلَّقَ ناعِقاً فوقَ الْخَرابَةْ
يُنْعَى الزَّمانُ وما الزَّمانُ سِوى صَدَىً
لِصَنِيْعَةِ الْبَشَرِ الْذِيْ رَسَمَ اضْطِرَابَهْ
* * *
يا حاديَ العشقِ:
نزلتُ ساحتَها أبغي الرِّهانَ إذا
غابَ الحُداةُ "وناءَتْ بالهوى الإبلُ"
يا حاديَ العشق مَنْ يُسليكَ هائمُهُ
عنْ هائِمٍ غابَ فاشتدَّتْ بنا العِلَلُ
إنَّ الغرامَ الّذي قد ضَلَّ مُغرَمُهُ
طريقَهُ، تاهَ، والهُيَّامُ قد أفلوا
فأرَّقتْني بناتُ النَّعْشِ قافلةً
مرَّتْ عليَّ ونارُ الشَّوقِ يشتعلُ
أمستْ حروفيَ نُدمانيْ ليُسكرَني
طيفُ الخيالِ، أساقيهِ، وأنتهلُ
* * *
يا حلوتي:
يا حلوتي إنّ الحياةَ شَبابُ
في سيرِها لا تُغلَقُ الأبوابُ
الحبُّ نبضُ قُليبِ إلفٍ عاشقٍ
لا تُستَلَذُّ بدونِهِ الأطيابُ
وأنا بقلبي نازلٌ مُتربِّعٌ
ولِذا شرابي بالْلظى أكوابُ
فخُذِي صَبابةَ خافقي وتلهُّفي
فخدودُكِ الأرطابُ والأعنابُ
أمَّا الشِّفاهُ فتلكَ مِرْسالُ الظَّمَا
الخمرُ في قُبُلاتِها تَسْكابُ
* * *
بغداد:
يدمى الفؤادُ وفي الأوطانِ نكباءُ
النَّخلُ مذبوحةٌ والأمنُ أشلاءُ
لُمّي جراحَكِ يا بغدادُ والْتحِمي
في كلِّ زاويةٍ ذئبٌ وحرباءُ
أعانَكِ اللهُ؛ في الضَّرَّاءِ صابرةٌ
ما كانَ يوماً لكِ في الدَّهرِ سرّاءُ
* * *
سعدي الحلِّي:
يذوبُ السِّحرُ في أوتارِ سعدي
بحزنٍ دافئٍ يشدو أليفَا
فيُطربُني لأسكرَ دونَ خمرٍ
أحلِّقُ طائراً غَرِداً خفيفا
ويرتاحَ الفؤادُ مِنَ الهَجيرِ
سويعاتٍ تبثُّ شجىً رهيفا
أعودُ الى الشَّبابِ الغَضِّ ذكرىً
ليَنزِفَ بُلبلي الشَّادي نَزيفا
فأسهرُ والْفؤادُ يرِفُ رَفَّـاً
أنادمُ طيفَها السَّاري شَفيفا
* * *
البُغاث:
هزُلَتْ تدِبُّ، وتستطيلُ فتصفِرُ
"إنَّ البُغاثَ على الذُّرى يستنسِرُ "
غابَ الأسودُ ثعالبٌ طلعَتْ لنا
تتناوشُ الكتفَ السَّمينَ فتهبُـرُ
عافُـوا البلادَ لكلِّ أفّاقِ الورى
لصٌّ يسودُ وقاتلٌ يتبخترُ
فغدَتْ وما بينَ اللُّتيا والَّتي
مشلولةَ الأطرافِ ضَرْعاً يُعصَرُ
لِيطولَ فوقَ سمائِها وحدودِها
عِلجٌ، ومهزوزُ المقـامِ صُغَيِّـرُ
* * *
الشَّرخ...
شَرْخٌ على القلبِ بينَ الدَّهرِ والحُلُمِ
"أحلَّ سـفكَ دمي" بالحرفِ والقلمِ*
ما سطَّرَتْ ريشتي ما كانَ شاطرَها
مِـنْ مبتغىً يُرتجَى أو نـازفُ النَّغَـمِ
هذي مشيئةُ دنيـاً كـلُّها عـدَدٌ
حسابُهُ بينَ أيدي البنكِ والقِمَمِ
أفـقْـتُ مِـنْ عَـدِّهِ عـدّاً بـقـافـيتـي
كما استفاقَتْ عيونُ القَهْرِ في الظُّلَمِ
وسيرةُ النَّارِ مِنْ أيامِ مُوقدِها
بينَ الأخاديدِ عدٌّ فائقُ الرَّقَمِ
* "أحلَّ سفكَ دمي": تضمين من بيت أحمد شوقي:
"ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلمِ
أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِ"