فجرُ الرحيل: في زمنٍ بعيد حين كانت الأخبار تسري على ظهور الخيل، وفد على الملك في جوف الليل رسولٌ مغبرُّ الوجه يحمل نبأً ثقيلًا بأنّ عدوًّا غادرًا أغار على قرى الحدود فأحرق الزرع وروّع الآمنين وساق الأنعام. فما انبلج الفجر حتى كان الملك قد عقد رايته وخرج على رأس جيشه ووزيره إلى جانبه والخيل تنفض عن أعرافها بقايا الندى.

وكان الطريق إلى الثغور يمرّ بمدينةٍ وادعة بيوتها من طين وأزقّتها ضيّقة تفوح منها رائحة الخبز الخارج لتوّه من التنانير. ولم يكن للعلم في تلك الأيام مدارسُ منتظمة ولا صفوف ولا زيٌّ يجمع الطلبة، وإنما كان يُطلب في المضايف وهي الدواوين الرحبة التي يُستقبل فيها الضيوف. فكان المعلّم يأتي فيسند إلى الجدار سبّورةً صغيرة ويتحلّق حوله الصبيان على الحُصر كلٌّ بثوبه الذي خرج به من بيته، وليس بين يديه إلا كتابٌ واحد هو القرآن الكريم منه يعلّمهم القراءة والكتابة وبه يقوّم ألسنتهم على العربية. وكان الملك يسير صامتًا وفي صدره همٌّ لم يبح به لأحد، فالعدوّ كثير العدد شديد البأس والحرب سِجالٌ لا يُدرى لمن تكون الغلبة فيها.

فتًى على الباب: وبينما الموكب يشقّ طريقه في أزقّة المدينة لمح الملك صبيًّا صغيرًا حافي القدمين في ثوبٍ باهتٍ رُقِّع عند كتفه يتأبّط لوحه ويهمّ بدخول أحد البيوت، فشدّ عنان فرسه وناداه تعالَ يا فتى. فأقبل الصبيّ غير هيّاب ورفع إليه عينين تلمعان فطنةً وقال نعم يا مولاي ما حاجتك؟ فسأله الملك إلى أين أنت ذاهب فقال إلى الدرس، فسأله وأين تدرس فأشار إلى الباب وقال هنا في مضيف هذا البيت. ثم سأله عن اسمه فقال اسمي فاتح، فتبسّم الملك وقال اسمٌ جميل فما درسك اليوم؟ فأجاب الصبيّ من غير تردّد درسي اليوم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا). فانفرجت أسارير الملك كأنّ يدًا خفيّة أزاحت عن صدره صخرة، ومال عليه الوزير هامسًا فألٌ حسنٌ يا مولاي، فقال الملك وأيُّ فأل وقد كان رسول الله ﷺ يعجبه الفأل الحسن. ثم قال للصبيّ نِعمَ الدرسُ درسُك اذهب يا بنيّ بارك الله فيك، ومضى الملك إلى حربه وفي قلبه بشارةٌ صغيرة لا تفارقه.

الفتحُ المبين: وعند الضحى التقى الجمعان في وادٍ فسيح وقد جاء العدوّ في أعدادٍ تفوق جيش الملك، واشتعلت الأرض بصليل السيوف وصهيل الخيل وحجب الغبارُ وجه الشمس. واشتدّ البأس حتى كادت ميسرة الجيش تتراجع، فاندفع الملك إليها شاهرًا سيفه وصاح في جنده بصوتٍ جهير يردّد ما سمعه من الصبيّ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) فسرت الآية في الصفوف سريانَ الروح في الجسد، فثبت الرجال ثم كرّوا كرّةَ رجلٍ واحد فتضعضع العدوّ وولّى الأدبار قبيل الغروب تاركًا وراءه ما نهبه من قرى الحدود. وبات الملك ليلته في ساحة المعركة تحت سماءٍ مرصّعة بالنجوم والجرحى تُضمَّد جراحهم من حوله والجند يتسامرون بحديث النصر، أمّا هو فلم يزره النوم إلا غرارًا إذ كان وجه ذلك الصبيّ يتراءى له كلّما أغمض عينيه فيسأل نفسه أيُّ بيتٍ أنبت هذا الغصن الطيّب؟

فاتحٌ أم عابس؟ وفي طريق العودة حين لاحت أسوار المدينة قال الملك لوزيره أتذكر الموضع الذي رأينا فيه ذلك الفتى؟ لقد كان فاتحةَ خيرٍ علينا فدُلّني عليه، فقال الوزير أمرك يا مولاي.

وشاءت المصادفة أن يدخلوا المدينة صباحًا كما مرّوا بها أوّل مرة، فقصدوا البيت نفسه وطرقوا بابه ففتح المعلّم، فلما رأى الملك وحاشيته ارتجفت يده على المزلاج ثم تمالك نفسه وقال تفضّل يا جلالة الملك فقد شرّفتَ مجلسنا. ودخل الملك فهبّ الصبيان واقفين وكان الفتى بينهم يختلس إليه النظر، فسأل الملكُ المعلّمَ ما الذي تدرّسونه هذه الأيام فقال نحن في قوله تعالى (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فسأله منذ متى فقال منذ ثلاثة أيام يا مولاي.

فنظر الملك إلى وزيره نظرةً امتزج فيها العجب بالغضب ثم التفت إلى الصبيّ وقال تعالَ يا فتى ما اسمك؟ فقال بصوتٍ خافت عابس يا مولاي. فاستشاط الملك غيظًا وقال أتقول لي بالأمس إنّ اسمك فاتح ودرسك الفتح المبين فإذا اسمك عابس ودرسك (عَبَسَ وَتَوَلَّى)؟ وتحفّز الحرّاس ينتظرون إشارته وشحب وجه المعلّم.

فتقدّم الصبيّ في ثبات وقال لا تُسِئ فهمي يا جلالة الملك، فقد رأيتك وجيشك مدجّجين بالسلاح فأيقنت أنك ماضٍ إلى حرب، وقد أصبحتَ في وجهي والناس يتفاءلون بأوّل وجهٍ يصبّحون به أو يتشاءمون، فكرهت أن يكون أوّل ما تلقاه في يومك وجهًا اسمه عابس ودرسه (عَبَسَ وَتَوَلَّى) وأردت أن أكون فاتحةَ خيرٍ عليك، فسمّيت نفسي فاتحًا وجعلت درسي فتحًا مبينًا. فسكت الملك لحظةً ثم انفرجت شفتاه عن ضحكةٍ عالية، والتفت إلى وزيره قائلًا انظر كيف تصنع التربية الصالحة.

هديةُ الملوك: ثم قال يا وزير أكرِمْه، فقال الوزير كم أعطيه يا مولاي؟ قال أعطه دينارًا. فمدّ الوزير يده بالدينار لكنّ الصبيّ ضمّ كفّيه إلى صدره ولم يأخذه، فقال الوزير ويحك أترفض هدية جلالة الملك؟ فقال الصبيّ فلتبقَ هدية الملك عنده فأنا لا أريدها، فشهق المعلّم وكاد يُغشى عليه من الحرج. فسأله الملك متعجّبًا ولِمَ يا بنيّ؟ فقال لأني إن عدت به إلى البيت عاقبني أبي بالضرب، فسأله ولِمَ يعاقبك؟ فقال سيسألني من أين لك هذا الدينار، فقال الوزير قل له من الملك، فقال الصبيّ لن يصدّقني وسيقول كذبت فالملوك لا يعطون دينارًا. فضحك الملك حتى بدت نواجذه وقال يا وزير أعطه مئة دينار، ثم قال للصبيّ أهذه هدية الملوك الآن؟ فقال الآن أقبلها يا مولاي، وأخذ الصرّة وانصرف والفرح يكاد يطير به.

نِعمَ الأبُ وبئسَ الجدّ: وغادر الملك المضيف فإذا المدينة قد خرجت عن بكرة أبيها تستقبل موكب النصر، فالنساء يزغردن على السطوح والصبيان يركضون بين قوائم الخيل والشيوخ يرفعون أكفّهم بالدعاء.

وفي وسط هذا الفرح ارتفع من بين الجموع صوتٌ أجشّ لرجلٍ وخطه الشيب، لم يترك شتيمةً إلا رمى بها الملك ولا لعنةً إلا صبّها عليه على مسمعٍ من الناس، ولا يُدرى أعن ضغينةٍ قديمة كان ذلك أم عن لسانٍ لم يعرف اللجام، وكان إلى جانبه صبيٌّ صغير يشدّ طرف ثوبه ويتوسّل إليه أن يكفّ. فخيّم صمتٌ ثقيل وتوقّف الموكب، وقال الملك بصوتٍ كالرعد ائتوني به وليُنادِ المنادي في الأسواق من أراد أن يشهد عقاب من تطاول على الملك فليحضر فسأجعله عبرةً لمن يعتبر.

فانقضّ الحرّاس على الرجل وقيّدوه وانطلق المنادي يصيح في الأسواق. وفجأةً شقّ الزحامَ صبيٌّ يركض حتى وقف أمام حصان الملك، فجفل الحصان ورفع قائمتيه والصبيّ ثابتٌ لا يتزحزح، ولم يكن إلا عابسًا يمدّ بكلتا يديه صرّة الدنانير ويقول لاهثًا يا جلالة الملك هذه مئة دينار أعتق بها عنق أبي هذه المرّة فخذها وأطلق سراحه. فأمسك الملك العنان وتأمّل الصبيّ الذي أحبّه وأكرمه لذكائه وحكمته وقال مهلًا يا عابس أهذا الذي يسبّني ويشتمني أبوك؟ فقال نعم يا مولاي. فقال الملك نِعمَ الولدُ أنت وبئسَ الأبُ أبوك، أنت فتًى مؤدّب حسن التربية وأبوك لا أدب له.

فرفع الصبيّ رأسه وقال أخطأتَ يا جلالة الملك. فحبس الناس أنفاسهم لكنّ الملك لم يغضب هذه المرّة فقد عرف من حكمة الصبيّ ما عرف، وقال وكيف أخطأت؟ فقال الصبيّ، بل قل نِعمَ الأبُ وبئسَ الجدّ، فأبي ربّاني تربيةً صالحة أمّا جدّي فلم يُحسن تربية أبي. فأطرق الملك مليًّا ثم ضحك ملء صدره، وأخذ الصرّة فقلّبها في كفّه ثم ردّها إلى يدي الصبيّ وأطبق عليها أصابعه قائلًا خذ مالك يا عابس فمثلك لا يدفع ثمن عتق أبيه. والتفت إلى الرجل وقال أفرجتُ عنك إكرامًا لولدك فاحمد الله أن رزقك ابنًا مثله، ثم أمر وزيره أن يُجري على معلّم المضيف رزقًا يعينه على مجلسه وقال إنّ مجلسًا يُخرج مثل هذا الفتى لجديرٌ بأن يُرعى.

فتقدّم الرجل مطأطئ الرأس وقد عقد الخجل لسانه الذي لم يعرف اللجام، فانحنى على ابنه وقبّل جبينه ودموعه تبلّل لحيته البيضاء. وأدرك الناس يومها أنّ الأدب لا يُورَث كما تُورَث الدنانير، بل يُغرَس غرسًا، فقد يُحرَمه الأبُ من أبيه ثم يهبه لابنه. وسارت كلمة الفتى نِعمَ الأبُ وبئسَ الجدّ مثلًا يتناقله الناس في المدينة جيلًا بعد جيل.