في بلدةٍ هادئةٍ تحفّها أشجار الزيتون العتيقة، وتستند بيوتها الحجرية إلى كتف التلّ كأنها تحرس ذاكرتها، كان إيهاب يُعرف بين الناس بنقاءٍ يشبه طُهر الينابيع، ووفاءٍ لا يشوبه التقلّب. كان مهندساً يرمّم البيوت القديمة، يتحسّس شقوق الجدران بأصابعه كما يتحسّس الطبيب نبض مريضه، ويقول لمن يستعجله الحجر العتيق لا يُكرَه على الالتئام، بل يُستمال بالصبر. غير أن أهل البلدة كانوا يعرفون أنه يرمّم في الحقيقة أرواح من حوله فما جلس إليه مكسورٌ إلا قام وقد التأم فيه شيء، وما طلب على معروفٍ جزاءً ولا انتظر عليه شكراً. وفي محترفه الصغير أسفل بيته سراجٌ نحاسيٌّ قديم ورثه عن أبيه، يملؤوه كل مساءٍ بزيت زيتون البلدة، فيبدو ضوؤه كأنه يخرج من قلب الشجر.
التقى بسديم حين استُدعي لترميم بيت أهلها القديم في طرف البلدة، فرآها واقفةً تحت قوسٍ متصدّع، تتأمّل الشقوق كأنها ترى فيها نفسها. يومها شعر أن الله أهداه رحمةً تجسّدت على الأرض، ومع كل حجرٍ أعاده إلى موضعه في ذلك البيت، كان يظنّ أنه يعيد إليها شيئاً من سكينتها، حتى صارت هي البيت الذي يسكنه قلبه. بيد أن هذا البيت كان مسكوناً قبله بقلقٍ دائم فقد كانت سديم فتاةً متقلّبةً كطقس الخريف، يصفو نهارها ساعةً ثم يتلبّد بلا نذير، ويدفعها قلقها إلى إشعال الخلافات من لا شيء، والتمرّد على كل استقرار. كانت تثور لأن كلمةً جاءت أبرد مما انتظرت، ثم تثور لأن أخرى جاءت أدفأ مما تحتمل، كأن السكينة تخيفها أكثر مما تخيفها العواصف.
كان أهل البلدة يعجبون من صبره فكلّما أثارت سديم عاصفةً تلقّاها بابتسامةٍ حانية، كما تتلقّى الزيتونة العتيقة الريح تهتزّ أغصانها ويبقى جذعها راسخاً. وكان بعضهم يتهامس إشفاقاً عليه، ويضرب به آخرون المثل في الحِلم. سألته مرةً وهي في ذروة غضبها لماذا لا تغضب؟ ألا أستحقّ حتى غضبك؟، فابتسم وقال لأن الغضب يهدم، وأنا لا أُحسن إلا البناء. فازداد غضبها، كأن جوابه حجّةٌ عليها.
وفي ليلةٍ عاصفةٍ كانت الريح فيها تجلد النوافذ، جلس إيهاب في محترفه مع الشيخ مهران، الرجل الحكيم الذي كان له بمثابة الأب الروحي. كان لهب السراج يميل مع كل هبّةٍ تتسلّل من شقوق الباب، فأطال الشيخ النظر إليه، ثم قال قلقاً يا بنيّ، إنك تحترق لتدفئ نفساً قد لا تقوى على احتضان نورك، والنار إذا لم تجد من يتدفّأ بها أكلت نفسها. وأنت أعلم مني بالبيوت: ليس كل صدعٍ من أثر الزمن؛ بعض الصدوع تسكن الأساس، وبعض الساكنين يألفون خرابهم فيخشون عليه من الترميم. فأجابه إيهاب بعينين تلمعان بالصدق يا عمّ مهران، إن تمرّدها ليس كرهاً، بل طفولةٌ عاطفيةٌ تختبر متانة حبّي. لقد عَمِيتُ بكلامها وعيوبها عن نساء الأرض جميعاً، وحين تنظر إليّ أشعر أن لنظراتها مفعولَ عصا موسى؛ تشقّ بحار خوفي، وتجمع شتات روحي. تنهّد الشيخ، وتمتم كمن يحدّث نفسه أخشى أن تعبرَ هي، ويبقى لك البحر، وظلّ يرقب اللهب وهو ينحني للريح ولا ينطفئ.
لم يكن إيهاب يعلم أن سديم كانت غارقةً في عجزها العاطفي، وأن الشيخ قد أبصر ما لا يبصره المحبّ. كانت ندى، شقيقتها الكبرى، تعرفها منذ الطفولة تعرف أن قلبها لا يطمئنّ إلا على حافّة، وأنه يهرب من كل يدٍ تمتدّ لتسنده. وكانت تراقب المشهد عن قرب، وتحادثها مراراً يا أختي، إن إيهاب يطوّقكِ بأمانٍ لم تحلم به امرأة، فلا تفرّطي في رجلٍ يرى في عيوبكِ مقدّساتٍ يُصان حولها الودّ، فتشيح سديم بوجهها وتقول إنه يحبّني أكثر مما أستحقّ يا ندى، وهذا بالضبط ما لا أطيقه.
وبدلاً من أن ترتقي إلى نقائه، كانت تنوء بثقل الدَّيْن العاطفي. كان كل معروفٍ يُسديه إليها يتحوّل في صدرها إلى صكٍّ لا تقدر على سداده، وكان صبره مرآةً صافيةً لا ترى فيها إلا صِغَر حجمها أمام نبله المطلق. وما ظنّه إيهاب اختباراً لمتانة حبّه، كان في حقيقته تفتيشاً عن صدعٍ واحدٍ فيه يخفّف عنها شيئاً من دَينها؛ غير أن الرجل الذي نذر يديه لرأب الصدوع لم يترك لها صدعاً. وكانت تسأل نفسها في لياليها: ماذا يرى فيّ مما لا أراه؟، فيُرعبها السؤال أكثر من أي جواب. لقد أرادت أن تُحَبّ، لكنها لم تحتمل أن تُحَبّ إلى هذا الحدّ.
وفي يومٍ لا يشبهه يوم، وبلا مقدّماتٍ ولا أعذار، قرّرت سديم الرحيل. لم يكن رحيلاً عادياً، بل كان مغلّفاً بقسوةٍ باردةٍ صادمة. عاد إيهاب عند الغروب إلى محترفه ليوقد سراجه كعادته، فوجد تحته ورقةً مطويّةً لم تمنح فيها كلَّ ذلك الحب أكثر من سطرين سئمتُ هذا الحب. لا تبحث عنه، ولم تذيّلها حتى باسمها. كانت قد غادرت البلدة مع الفجر دون أن تلتفت وراءها، مسدّدةً طعنة الخذلان إلى قلب الرجل الذي جعلها ملاذه الوحيد.
نزل السطران على إيهاب نزول الصاعقة. وفي الصباح، وقد سرى الخبر في البلدة سريان النار في الهشيم دون أن يجد له أحدٌ تفسيراً، جاءه الشيخ مهران فوجده جالساً في مكانه، شاخص البصر، والورقة بين أصابعه، مأخوذاً بذهولٍ تامٍّ وصدمةٍ لم تدع في جسده موضعاً ينبض إلا بالألم. كان يقلّب السطرين كما يقلّب حجراً غريباً لا يعرف من أي جدارٍ سقط. لم يكن يبكي فراقها، بل كان غارقاً في أزمة المعنى كيف يتحوّل الأمان المطلق إلى غدر؟ وكيف تُكافأ الرحمة بالسياط؟ فهو الذي خبر كيف يستجيب الحجر الأصمّ للعناية، عجز عن فهم قلبٍ يردّ العناية بالفرار. وكان يستحضر القوس الذي رآها تحته أول مرة، قائماً اليوم كما رمّمه، فيسأل نفسه كيف يحفظ الحجر عهداً نقضه القلب؟ ومرّت عليه ليالٍ لم يوقد فيها سراجه لأول مرةٍ منذ ورثه.
بعد أيامٍ اجتمع الشيخ مهران وندى عند إيهاب في المحترف الذي لم يكد يغادره منذ ذلك المساء. كانت ندى تبكي خجلاً وأسفاً من فعلة أختها، لا تكاد ترفع عينيها إليه، وقالت بصوتٍ متهدّج يا إيهاب، جئتُك شاهدةً بالحق. لقد فتّشتُ في كل تفاصيل غيابها، وبحثتُ عن عذرٍ واحدٍ أدافع به عن شقيقتي، وهي دمي، فلم أجد. حتى هداياك تركتها خلفها، كأنها تخشى أن يلحق بها منك شيء. لقد بذلتَ كل ما في الوسع، بل فوق ما يطيقه بشر، لتحفظ هذا الحب. فتحتَ لها أبواب الجنة، فاختارت هي أن تُغلقها على نفسها بقسوة.
أمسك الشيخ مهران بيد إيهاب، وربّت عليها بحنوّ، وقال بنبرة الحكيم اسمعني جيداً يا بنيّ فقد شهد شاهدٌ من أهلها. خذلان سديم لك ليس نقصاً فيك، بل إعلانٌ عن إفلاسها العاطفي؛ لقد عجزت عن سداد دَينها، فسدّدت إليك طعنتها. والضعفاء يا بنيّ لا يحتملون الكرم العاطفي المفرط، فيلجؤون إلى القسوة أداةً للتحرّر من عقدة النقص. لقد حسبتَ نظرتها عصا موسى تشقّ بحرك، وما كانت المعجزة إلا حبّك أنت؛ استعارته يوماً لتعبر بحرها، فلمّا بلغت الضفة الأخرى تركتك للغرق. لكنك لن تغرق؛ فصاحب المعجزة لا تبتلعه المياه.
نظر إيهاب إلى سراجه القديم المطفأ على الطاولة، وتذكّر الحوار الذي ظلّ يدور في داخله طوال ليالي الصمت: «هل قصّرتُ؟ لا يُلام من رمّم البيت إذا هجره أهله. وهل أحببتُها لأُجزى؟ لو كان وفائي صفقةً لكنتُ اليوم مفلساً، لكنّ الوفاء طبعٌ لا دَين، والطبع لا يضيع بضياع من وُهب له. والسراج لا يسأل الجالسين في ضوئه إن كانوا يستحقّونه، ولا ينقص نوره إذا أداروا له ظهورهم. ثم قام إلى السراج، فملأه بالزيت وأوقده، فانبسط الضوء على الوجوه الثلاثة دافئاً كما كان، ورفعت ندى إليه عينيها أخيراً. تنفّس بعمق، وارتسمت على وجهه ملامح الرضا الحكيم والترفّع.
ثم التفت إلى الشيخ مهران وندى، وقال بنبرةٍ هادئةٍ قويّة لستُ نادماً. الوفاء سجيّتي، والخذلان كان خيارها. سأبقى وفيّاً لنفسي وللقيم التي أؤمن بها، ولن يلوّث جفاؤها نوري. وأدار وجهه نحو النافذة المطلّة على طريق البلدة، كأنه يخاطب الغائبة ارحلي يا سديم بقسوتكِ، وخذي معكِ العصا التي استعرتِها؛ فقد بقيت لي اليد البيضاء، وبها سأشقّ طريقي وحيداً. كنتُ بكِ غنيّاً عن العالم، وصرتُ بنفسي غنيّاً عنكِ، وحرّاً منكِ إلى الأبد. فابتسم الشيخ مهران كمن يرى ابنه يعبر البحر بلا عصا.
خرج إيهاب من تلك الصدمة لا ضحيةً مكسورة، بل متأمّلاً حكيماً. ومنذ ذلك المساء عاد ضوء سراجه يطلّ على الطريق كل ليلة، وعاد هو كل صباحٍ إلى البيوت القديمة التي تنتظر يديه بين أشجار الزيتون. لقد أدرك أن سديم لم تكن مقرّاً لروحه، بل ممرّاً عبره نوره ولم ينطفئ؛ فكان إذا سُئل عنها قال بهدوء مرّت. وظلّ القريب والغريب يشهدون له بأنه كان النور الذي عجز الضباب عن احتوائه.