26-09-2026 
«لا أجيد البكاء... المشاعر لم تكن بمستوى الألم”* 
عند خروجه من سراديب مقبرة النجف، وهروبه إلى المجهول والمعلوم، وهو الموت الذي قد يستقر بجانبه في أي لحظة أو ساعة أو يوم، لم تأته الكوابيس أبداً، لا في نومه ولا في يقظته؛ فالموت كان في متناول راحتيه 
لكن حين مضى به العمر عتيّاً، تذكّر في كل مرة ما مرّ به في ظلمة السراديب. وتذكّر شيئاً لم يقله؛ لأن الذاكرة في العقل الباطن ما زالت تحتفظ بهذه الذكريات التي تشكّل ثقلاً يتعب القلب والعقل معاً إذا لم نحكها 
وربما نسي أن يتذكّرها حين استُجوب في سراديب النجف، عندما سأله المحقّق عن أصدقائه. أجاب بكل براءة وسذاجة، وبشيء من المعرفة أيضاً، وحين ذكر بعض الأسماء التي تعود إلى أشخاص موتى، ضحك واستخفّ بالأمر في سرّه 
أجابه المحقّق، بعينين صلفتين تتقد منهما شرارات الشر 
سوف نأتي بهم من القبور 
قال في نفسه: هذا مستحيل! ربما تكون هذه ساعة الحساب، يوم القيامة، كما يعتقد المؤمنون بيوم الحساب 
بعد يومين، جاؤوا بأربعة أشخاص على هيئة هياكل عظمية، تغطيها ملابس مدنية، وأجلسوهم قبالته. وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا سوى هياكل عظمية، فإنها كانت ترتجف 
كانت صدمة هذا المشهد كبيرة. وبعد أن نزعوا الغطاء عن عينيه، أراد أن يسألهم: كيف جاؤوا بالموتى؟ لكنه تراجع، فقد أخذ الموتى يتحدثون قائلين إنهم أصدقاؤه، وإنهم يعرفونه منذ فترة طويلة 
كان بينهم هيكل عظمي لم يبقَ من وجهه سوى جمجمة، وعلى شفتيه آثار ثقوب دقيقة، بدت كأنها خيطت بعناية لتمنعه من الكلام. فقد بدا وكأنه اختار أن يخيط شفتيه احتجاجاً على انتزاع الاعتراف منه، ورفضاً لأن يكون لساناً يشي بأصدقائه 
علّق المحقّق قائلاً إن هذه الجمجمة المثقوبة الشفاه جاؤوا بها من قبرها، حيث ظلت مدفونة منذ ثمانمائة سنة لأنها لا تريد تساعد هؤلاء الأشخاص الذين يظلمون الآخرين 
ثم أضاف، بشيء من الغضب، مصحوباً بسيل من الشتائم نحن نستطيع أن نجلب لك الموتى من أصدقائك، ممن ماتوا قبل خمسين أو ستين سنة، من القبور، ليشهدوا عليك 
ثم صرخ بصوت عالٍ مزمجر 
خذوه إلى السرداب 
دخل السراديب باسمين: حليم وسليم. كان أحدهما اسمه الذي يعرفه به حراس السراديب والقائمون عليها، أما الآخر فكان اسمه السري، الذي لم يكن أحد منهم يعرفه 
وحين أعادوه إلى السرداب المظلم، بدأ يفكر ويتساءل: كيف جاؤوا بالموتى؟ وكيف التقوا بهؤلاء الذين كانوا بالقرب مني وحولي؟ 
عندها قرر أن يلتقي بهم خلسة في ظلام الليل، وأن يطرق أبواب قبور من يعرف أسماء أصحابها، حتى أولئك الذين مضى على موتهم ألف أو ألفا سنة، ممن بقيت أسماؤهم معروفة لدى الجميع. لعلّه يقنعهم بالاعتراض أو بتنظيم احتجاجات ضد هذا العسف والظلم 
على مدى سبعة أشهر، كان يزور قبراً كل يوم، محاولاً إقناع أصحابه بالخروج في احتجاجات ضد أصحاب السراديب وحراسها. لكنه كان كمن ينادي ولا يسمع له أحد؛ فلا حياة لمن تنادي 
سأل نفسه: كيف لهم أن يخرجوا، وهم ليسوا سوى بقايا عظام متناثرة منذ عشرات أو مئات، بل آلاف السنين؟ 
ربما كذبوا عليّ ليخدعوني، وكذبوا على الناس الذين دخلوا القبور والسراديب 
عاد حليم أخيراً إلى السرداب، خائباً، خائفاً، مرعوباً، ينتظر أن يأتي يوم يخرجه فيه أحد من ذلك السرداب المظلم 
------------------------------------------------- 
*الكاتب عبد الخالق الفلاح