المقدمة: ليست هذه حكايةَ فراقٍ عابرٍ تطويها الأيام كما طوت سواها، بل هي مرثيةٌ لقلبٍ اقتيد إلى مقصلة الخذلان فذُبح عليها. إنها حكاية النُّبل حين يقف أعزلَ في وجه الخِسّة، والطُّهر حين يُلقى في مهبّ الجحود. هناك، في الكاظمية، ذلك الحيّ البغدادي العريق الذي تتعانق فيه الشناشيل فوق الأزقة الضيقة، وتتلألأ قبابه الذهبية فوق أسطح البيوت، ويجري نهر دجلة غير بعيدٍ عنه هادئاً كحارسٍ قديم، وُلدت حكاية شاكر، الرجل الذي غدت سيرته أروع الأمثال في الوفاء والتضحية، ولم يكن له من همٍّ في الدنيا إلا أن يهب السعادة لامرأةٍ جعلها كونه كلّه. وحكاية هيام، التي سيسجّل التاريخ اسمها رمزاً للجحود والغدر، بعدما حصدت بمنجل قسوتها سنابل حبّه وهي بعدها خضراء، ثم رحلت فجأةً كأنها لم تعرفه يوماً.

مواسم العشق وفخاخ التمهيد: بدأت الحكاية بلقاءٍ أول في سوق الكاظمية، ذات مساءٍ كانت فيه رائحة الصمّون الحجري تتسلل من الأفران، وأصوات الباعة تختلط بهديل الحمام الذي يطوف حول القباب. وبين واجهات الصاغة المتوهجة بالذهب، رأى شاكر هيام أول مرة، فبدا الذهب كلّه باهتاً أمام ملامحها. سرق ذلك اللقاء لبّه، إذ تجسّد السحر في وجهها، وفي غمرته فتحت له أبواب عالمٍ من العشق لم يعهده قلبه من قبل.

 صارت ليله ونهاره، وصار صوتها الأغنيةَ التي لا تملّ أذناه سماعها. عاش شاكر حبّاً عارماً سكب فيه كلّ ما في قلبه من طُهرٍ ونقاء، يشتري رضاها بروحه، ويبتكر كلّ يومٍ سبيلاً جديداً ليرى ابتسامتها. غرق في تفاصيلها غرقَ من لا يرجو النجاة، يحفظ عطرها، ويتتبّع حركاتها، حتى لم يعد يرى في الكون امرأةً سواها، وصارت هي العينين اللتين يبصر بهما العالم. وفي تلك الأيام كانا يعبران جسر الأئمة عند المغيب، ودجلةُ تحمل على صفحتها صورتيهما متجاورتين، وهيام تُظهر له تعلّقاً جنونياً، وتردّد على مسمعه أنه الرجل الفريد الذي غيّر مجرى حياتها، وأنه لا وجود لرجلٍ آخر بعده.

لكنّ خيوط المأساة، تحت غطاء هذا العشق الجارف، كانت تُغزل في الخفاء بدهاءٍ خبيث. راحت هيام تمهّد لغدرها بخطواتٍ محسوبة، تفتعل الخصام من العدم لتقيس مدى تشبّثه بها، وتتعمّد الغياب ساعاتٍ طوالاً بلا مبرّر، ثم تعود متذرّعةً بظروفٍ واهية، بعد أن تكون قد تركته يتقلّب على جمر القلق والشوق. كانت تمارس عليه لعبة الإمساك والإفلات، تُغدق عليه من حنانها حتى يثمل بحبّها، ثم تنسحب فجأةً ببرودٍ غامض يُبقيه في خوفٍ دائمٍ من خسارتها. وكلّما عاتبها بنُبل الفرسان، اخترقت قلاعه بوعودٍ معسولة ودموعٍ زائفة تتصنّع فيها الضعف، قائلةً أنا أفعل هذا من شدّة خوفي عليك، فلا تظلم حبّاً أفرغتُه لك وحدك. هكذا جرّدته من أسلحته النفسية سلاحاً سلاحاً، وأعمت بصيرته بالدلال، حتى استوثقت أنه صار مكبّلاً بحبّها لا يقوى على حراك تمهيداً لضربتها القاضية.

وتزامناً مع هذا التمهيد الخفيّ، كان شاكر يسابق الزمن ليبني مستقبلهما معاً. رسم بفرشاة أحلامه بيتهما المنتظر في زقاق هادئ من أزقة الكاظمية بيتاً بشناشيل خشبية تطلّ على الزقاق، وحوشٍ تتوسّطه نخلة، ونافذةٍ تُشرف على القباب خصّها لها وحدها، لتحتسي عندها شاي الصباح وهي ترقب الحمام يطوف حول المآذن. لم يترك ركناً في ذلك البيت إلا وأعدّه لأجلها، وكان يذوب تعباً في عمله ليؤمّن لها حياةً رغيدةً لا تشكو فيها عوزاً. وكلّما مرّ بدكاكين الصاغة توقّف أمام القلائد خلف الزجاج، يختار لها في خياله ما سيطوّق به عنقها يوم زفافهما، وكلّما مرّ بالحضرة الكاظمية رفع كفّيه يدعو لها قبل أن يدعو لنفسه. كان يرى فيها ماضيه وحاضره ومستقبله، غافلاً عن أن كلّ خطوةٍ خطتها معه لم تكن إلا مناورةً لتقوده إلى حافة الهاوية، قبل الفراق المباغت.

عاصفة الخذلان: لم يكن ما بينهما مجرد حب، بل كان عقيدةً عاطفية امتدت جذورها إلى أعمق أركان روح شاكر. جلس في عتمة غرفته، في بيته القديم بين أزقّة الحيّ، والصمت من حوله أشبه بمقبرةٍ للذكريات، لا يقطعه إلا وقعُ خطى عابرٍ متأخر، ثم يعود أثقل مما كان. يمسك بيده هاتفه المطفأ، ويحدّق في شاشته السوداء التي تعكس ملامح وجهٍ خطّ فيه الوجع مساراتٍ لم تكن فيه من قبل. كان جسده هنا، لكنّ روحه ظلّت عالقةً في تلك اللحظة المشؤومة لحظة الفراق المفاجئ.

كانت ليلةً عادية تسير بسلام، وكان كلّ همّ شاكر، كما كان دائماً، أن يرى هيام سعيدة. وفجأة، ودون سابق إنذار، انقبض كلّ شيء. جاءت كلماتها الأخيرة باردةً جافة، كصخرةٍ هوت من شاهقٍ لتسحق في ثوانٍ كلّ ما بُني بينهما. لم تلتفت خلفها، ولم تتردّد، ولم تُبدِ ذرّةً من رحمة. رحلت بخطى ثابتةٍ مستكبرة، تاركةً إياه في ذهولٍ عاطفيٍّ تام، ينظر إلى مكانها الشاغر وعقله يأبى التصديق كيف لإنسانةٍ كانت له كلّ شيء، وعاهدته يوماً على جسر الأئمة ويدها في يده، ودجلةُ شاهدةٌ عليهما لن أفعلها لن أتركك، أن تدير ظهرها وتمضي كأنها لم تعرفه يوماً؟!

عندها انشطر قلب شاكر نصفين، وبدأ صراعه المرير مع ذكرياته الحيّة. في كلّ زاويةٍ من الغرفة يلمح طيف هيام، وفي كلّ صمتٍ يسمع ضحكتها وقد استحالت خناجر تطعن صدره. وفي داخله غابةٌ مشتعلة من الأسئلة الحارقة كيف تحوّل الأمان إلى رعب؟ وكيف تبخّرت تلك المواثيق الغليظة كأنها لم تكن؟ استجمع ما تبقّى من نبضه، وسكب دمه على الورق، وصاغ عتابه الذي يفيض نبلاً وألماً، في رسالةٍ وجّهها إلى غدرها وجحودها، لم تكوني مجرد أنثى يا هيام كنتِ الحكاية بأكملها.

حين فتح قلبي عينيه على هذا العالم، كنتِ أنتِ أول ما رأى. ومن فرط طُهر شعوري ونقائي معكِ، ظنّكِ قلبي أمَّه! نعم، سار خلفكِ بأمان طفلٍ صغير، يتلمّس خطاكِ بكلّ ثقة، مؤمناً بأن يدكِ هي برّ الأمان الذي لا يخون. أحببتُكِ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، حبّاً جعلني أكتفي بكِ عن عالمٍ بأسره، كأنكِ آخر الأحبّة على وجه هذه الأرض. كنتِ الماضي الذي انتظرتُه، والحاضر الذي وُلدتُ فيه، والمستقبل الذي أقسمتُ ألّا أُفلته، ولأجلكِ رسمتُ في أزقة الكاظمية بيتاً، شبّاكاً شبّاكاً، وحلماً حلماً. ووالله، حين أرغمتني القيم على الابتعاد، ما أردتُ الرحيل عنكِ لحظة، بل تمنّيتُ أن نبقى معاً فلا نفترق أبداً.

لكن كيف تبدّلت الأدوار بهذه الخِسّة؟ كنتُ لكِ سقفاً يحميكِ من تقلّبات الدنيا، فكنتِ العاصفة التي اقتلعتني. وكنتُ لكِ قلماً يخلّدكِ، فكنتِ الممحاة التي تقصّدت محوي. وكنتُ لكِ سنابل خضراء تفيض خيراً، فجئتِني بمنجلكِ تحصدين عمري بلا رحمة. أردتُكِ جاهاً أعتزّ به، وأردتِني مجرد واجهةٍ لغاياتكِ! تعمّدتِ إيذائي مراتٍ عديدة، وتركتِني في حيرةٍ قاتلة، ثم رحلتِ فجأةً في ظلمة أيامي، وتركتِنِ ورائكِ أحارب شتاتي وحدي. ما زالت دجلة تجري تحت جسر الأئمة حيث أقسمتِ، ولم يجفّ إلا عهدُكِ. فلماذا عذّبتِني وقسوتِ عليّ كأنني آخر أعدائكِ على وجه الأرض؟

النهاية: فجرٌ فوق القباب الذهبية وضع القلم جانباً، وتنهّد تنهيدةً كادت تصدّع جدران الغرفة. نظر إلى الرسالة طويلاً، ثم التفت إلى النافذة، حيث بدأت خيوط الفجر الأولى تمزّق عتمة الليل الطويل، وارتفع أذان الفجر من المآذن القريبة، يتهادى فوق السطوح ويتسلّل إلى الأزقّة النائمة.

هنا، في هذه اللحظة بالذات، انقسمت الحكاية في عيون الورى، فقد سارت بها الركبان، وتناقلتها مقاهي الكاظمية وأزقتها، حتى صار شاكر مثلاً يُضرب في طهارة الحب، والوفاء، والتضحية التي لا حدود لها، ورجلاً تنحني له القلوب إجلالاً لنبله. وصار اسم هيام، في المقابل، مثلاً يُضرب في الجحود والخِسّة والغدر الذي لا يُغتفر، ووصمة عارٍ في تاريخ العشّاق.

أما هو، فلم يرسل الرسالة، بل أضرم فيها النار، وراح يراقب حروفها وهي تتحوّل إلى رمادٍ يتطاير في الهواء. ومع آخر شرارةٍ انطفأت، نهض من مقعده، وعدّل هندامه، وفتح النافذة على مصراعيها ليستقبل شمس يومٍ جديد. كانت القباب تتألّق في الضوء الأول، وأسراب الحمام تحلّق حولها كأنها تحمل عنه ما تبقّى من وجعه. لقد قرّر ألّا يموت في أرضٍ حصدتها المناجل، فمن يملك قلباً نقيّاً كقلبه، قادرٌ على أن يزرع ألف سنبلةٍ خضراء جديدة، في أرضٍ تستحقّ الوفاء.