مقدمة: بين يدي حكاية من أزقّة منطقة بغداد الجديدة هذه حكايةٌ إنسانيةٌ بغداديةُ الروح والملامح، تضرب جذورها عميقاً في تربة الشهامة والروابط الأسرية وصلة الرحم. غير أنها لا تقف عند حدود الأخوّة الفطرية، بل تمضي أبعد من ذلك، لتعكس صور التضحية والتعاضد الوطني والاجتماعي. وتنهض أحداثها على ثلاث ركائز.
الأخ سندٌ وأمان: تتمحور الحكاية حول القوة الخفية التي يستمدّها الإخوة بعضهم من بعض، إذ تكفي لمسةُ كفّ، أو وقفةُ عزٍّ من الأخ الأكبر، لتبثّ في قلب أخته الطمأنينة، وتحيل خوفها وضعفها قوةً تتحدّى بها مصاعب الدنيا.
التضحية والشهامة الوطنية: تستحضر الحكاية دماء الشهادة الزكية في تضحية الابن الأوسط علي، الضابط الشاب الذي وهب روحه فداءً لأبناء وطنه، فترك لأهله إرثاً من الفخر لا تفارقه الدموع.
التلاحم البغدادي الأصيل: تعكس الحكاية أصالة منطقة بغداد الجديدة بتنوّعها وتماسكها، حيث تذوب في لحظات الحزن والفقد كلُّ الجدران، فيقف المسلم والمسيحي كتفاً إلى كتف، جسداً واحداً في تشييعٍ مهيب، يرسّخ صلة الرحم الكبرى بين أبناء المدينة الواحدة. إنها حكاية الخوف الصامت حين يتبدّد أمام هيبة السند، وحكاية البيوت البغدادية العريقة التي يبقى الشرف والشهامة وصون العِرض عنوانها الأبرز، مهما تعاقبت عليها المِحَن.
صدى الذكريات في بغداد الجديدة
في حيٍّ من أحياء منطقة بغداد الجديدة النابضة بالحياة والمحبة، حيث تتجاور المآذن وأجراس الكنائس، ويتبادل الجيران صحون الطعام في الأعياد والمواسم، كانت تعيش عائلة أبو أحمد، عائلةٌ بغدادية أصيلة، مشهودٌ لها بين الجيران والمعارف بالرفعة والاحترام وطيب المعشر.
كان الأب رجلاً رصيناً مهيبَ الحضور، قليلَ الكلام كثيرَ الفعل، وكانت أم أحمد، روحَ البيت، تجمع أبناءها على مرق البامية البغدادية باللحم وتمّن العنبر، وعلى صينية الدولمة التي تقلب قِدرها بمهارةٍ لا تتقنها إلا الأمهات، فيتصاعد بخارها عابقاً في أرجاء البيت.
أما أحمد، الابن الأكبر، فكان السندَ الذي لا يميل، شامخاً كنخلةٍ عراقية في وجه الريح، ورث عن أبيه الشهامة وثِقل المسؤولية.
غير أنّ البيت الذي كان يضجّ بالضحكات، بات منذ عامين يلوذ بصمتٍ وقورٍ موجع، فقد هزّت أركانَه فاجعةُ استشهاد الابن الأوسط علي. وبقيت صورته ببزّته العسكرية معلّقةً في صدر الدار، يمرّ بها أهل البيت فتخفت أصواتهم، كأنهم في حضرته.
كان علي ضابطاً شاباً برتبة ملازم أول في القوات المسلحة، لم يمضِ على تخرّجه سوى عامين، ينتظر ترقيته إلى رتبة نقيب بفارغ الصبر، ويحلم باليوم الذي تستقرّ فيه النجمة الثالثة على كتفه. لكنّ القدر كان أسرع من الحلم، ففي ليلةٍ بغدادية حزينة، اقتحمت مجموعةٌ إرهابية إحدى كنائس بغداد، واحتجزت المصلّين الأبرياء رهائن. وكان علي في طليعة قوة مكافحة الإرهاب التي هبّت لنجدتهم، فاستبسل في الذود عن أبناء وطنه، ونجح مع رفاقه في تحرير الرهائن، لكنه سقط شهيداً مضرّجاً بدمه الزكي.
وفي يوم تشييعه، خرجت جنازته في موكبٍ مهيب اهتزّت له العاصمة بغداد. وفي مقدّمة الموكب سار الرهائن أنفسهم، أولئك الذين انتزعهم علي، من براثن الموت، متّشحين بالسواد، يذرفون دموع الامتنان واللوعة على الشاب الذي افتدى أعمارهم بعمره. وكان صدى النحيب يتردّد حتى آخر أزقّة منطقة بغداد الجديدة، إذ خرجت المنطقة عن بكرة أبيها، بمسلميها ومسيحييها، في لوحةٍ وطنية تجسّد أسمى معاني التماسك والتعاضد بين أهل بغداد، الذين تقاسموا رغيف الصبر ووجع الفقد. رحل علي، تاركاً في قلبَي والديه غصّةً لا تبرأ، وتحوّل أحمد من أخٍ أكبر إلى درعِ الحماية الوحيد لمن تبقّى.
غيومٌ في سماء الجامعة التكنولوجية: ومن سكينة أزقّة بغداد الجديدة، المثقلة بذكرى ذلك التشييع، تنتقل الحكاية إلى ممرّات الجامعة التكنولوجية، حيث كانت فاطمة الأخت الصغرى ومدلّلة البيت تحاول أن تكمل دراستها في الهندسة، وسط ركام الحزن الذي خلّفه غياب علي. لم تكن جراحها قد اندملت بعد، حين بدأ أحد طلبة الكلية يتعرّض لها بمضايقاتٍ متكرّرة، شابٌّ مستهترٌ خسيس، استغلّ هدوءها وانكسارها، فراح يحاصرها بملاحقاته حتى شوّه نقاء أيامها الجامعية.
صارت فاطمة تعود إلى البيت غارقةً في صمتها، وتشرد في غرفتها ساعاتٍ طوالاً. كانت تخبّئ في صدرها سرّاً ثقيلاً لسببٍ واحدٍ يمزّق قلبها خوفها على أحمد. فهي تعلم علمَ اليقين أنّ شهامته ونخوته البغدادية لن تسمحا له بالسكوت، وتخشى إن عرف بالأمر أن يمضي إلى المواجهة، فتنتهي الأمور بكارثة، أو تفقده كما فقدت علياً. كيف لا، وهي لم تُفِق بعدُ من صدمة الرحيل الأول، ولا من مرارة ذلك التشييع الذي أبكى الحيّ كلّه؟ كانت فكرة خسارة أحمد كابوساً يطاردها، فآثرت الوجع الصامت على أن تغامر بالأخ الذي بقي لها.
لحظة الكرسي وحقيقة القوة: عند مغرب أحد الأيام، وقد مالت الشمس خلف سعف النخيل، دخل أحمد البيت، فاستقبلته نظرات أمّه القلقة، واقتربت منه تهمس، يُمّه أحمد، أختك فاطمة مو على حالها. صار لها أيام ترجع من التكنولوجية وعيونها تايهة، وتدير وجهها عنّا. وفي زاويته، كان الأب يرتشف شاي الاستكان، فتنهّد بأسى، وقد أثقله عجزُ الآباء أمام دموع البنات. حمل أحمد في قلبه إصرار الأخ وحميّة السند، ومضى إلى غرفة فاطمة. فتح الباب بهدوء، فرآها جالسةً على الكرسي قبالة النافذة، تحدّق في الفراغ، والدموع تحفر مجراها على خدّيها.
تقدّم بخطواتٍ ثابتة، ووقف خلف الكرسي، ثم وضع يده على كتفها بحنوّ الأخ وثبات الرجال. سرى دفء كفّه إليها فأذاب جليد خوفها، واستنشقت في حضوره ريح الأمان. ابتسم أحمد، وقال بنبرةٍ بغدادية دافئة تفيض ثقة، منو أقوى واحد بالدنيا، يا فطّومة؟ التفتت إليه، فرأت في عينيه هيبة أخيها الراحل علي، وسند أبيها معاً، فقالت بلا تردّد، أنا. عجب أحمد من جوابها القاطع رغم ضعفها البادي، فأراد أن يستوثق، وأعاد السؤال. منو أقوى واحد بالدنيا؟ فأجابت، وقلبها المثقل بالخوف يخفق بين أضلعها، أنا.
تسلّل إلى صدر أحمد شيءٌ من الضيق، ظنّ أن أخته تتحصّن خلف قوةٍ مصطنعة لتتهرّب من الحديث معه، أو أنها لا ترى فيه الأخ الأكبر القادر على أن يرفع عنها ما يثقلها. فرفع يده عن كتفها، وقرّر أن يدع لها خلوتها. وحين بلغ الباب، التفت إليها، واستند إلى إطاره، وسألها للمرة الأخيرة بنبرة عتاب، منو أقوى واحد بالدنيا؟ نظرت إليه هذه المرة، وقد تهاوت حصونها كلّها، وقالت بعينين تلمعان بالدموع:
انتَ. توقّف أحمد، واستدار نحوها متعجّباً، لماذا؟ مرّتين قلتي أنا، والآن تقولين انتَ؟ فأجابته، وصوتها يرتجف بعاطفةٍ جيّاشة جرفت معها كلّ خوفها من ذلك الطالب الخسيس، لأنك كنت واقف وراي، ويدك على كتفي كنت آخذ قوتي من هيبتك وحمايتك، وأحسّ روحي أقوى وحدة بالدنيا، وما يهمّني أحد بهالكون كلّه. بس لمّن تركتني وذهبت للباب ضعفت. لأن سندي بعَد عنّي.
ختاماً: حين يذوب الخوف في حضن الأمان نزلت كلمات فاطمة على قلب أحمد نزول الصاعقة. انهمرت دموعها تغسل همّ الأيام الماضية، فلم يتمالك نفسه، وعاد إليها مندفعاً، وضمّها إلى صدره بقوة، كأنما يعيد إليها كلّ ما سلبته منها تلك الأيام. وفي حضنه، باحت له بكلّ شيء بالطالب الذي يتعرّض لها، وبالكلمات التي كانت تبتلعها كلّ مساء، وبالخوف الذي حملته وحدها كي لا تخسره. أصغى أحمد والغضب يغلي في عروقه، لكنه حين رأى الرجاء في عينيها كظم غيظه، ووعدها ألّا يترك كتفها أبداً، وألّا يسمح لمخلوقٍ أن يكسر خاطرها أو يمسّ كرامتها، ووعدها كذلك أن يأخذ حقّها بالحكمة لا بالتهوّر، وأن يعود إليها سالماً.
في تلك الليلة، انزاح الكابوس عن صدر فاطمة، ونامت نوماً هادئاً لم تعرفه منذ أسابيع. وأدركت أنّ صلة الرحم في بيتها البغدادي ليست ذكرياتٍ معلّقة على صور الراحلين، بل درعٌ حيّ يحمي الحاضرين. وفي صباح اليوم التالي، وقف أحمد لحظةً أمام صورة علي في صدر الدار، كأنما يستمدّ منه العزم، ثم مضى بخطى الواثق من منطقة بغداد الجديدة إلى الجامعة التكنولوجية. وهناك، لم يرفع صوتاً ولا يداً، بل طرق باب عمادة الكلية، وعرض الأمر في هدوءٍ وثبات، بحجّة صاحب الحق، ثم واجه ذلك الشاب أمام أهل الشأن بكلماتٍ قليلة، كانت أثقل عليه من أيّ لكمة. فوضعت العمادة حدّاً نهائياً لتجاوزاته، وعاد أحمد إلى البيت سالماً، كما وعد. وفي المساء، حين اجتمعت العائلة حول صينية العشاء، ضحكت فاطمة من قلبها لأول مرة منذ زمن بعيد، فالتفتت أمّ أحمد إلى صورة علي على الجدار، وخُيّل إليها أنه يبتسم. هكذا عاد الأمان يزهر من جديد، في بيتٍ عرف الحزن لكنه لم يعرف الانكسار.