صيف 1978، وليل الإرهاب قد أطبق تماما، وغطّى مساحة العراق برمته، ولم يترك ثغرة تذكر، ابتلعت المعتقلات والسجون التي تم تجهيزيها بكل وسائل الرعب خيرة أبناء الوطن. جولة جديدة في مكافحة الشيوعية قد بدأت.

ساد بين رفاق الحزب ومنظماته في عموم مناطق العراق، شعار: (الحفاظ على النفس)، ومن أجل تحقيقه، لابد من القيام بفعل ما يكفل الاستمرار بالنضال ومقاومة وحش الإرهاب الذي راح يصول ويجول في كل مدينة وقرية وبيت.

أمّا على الصعيد الفردي، فيجب اتخاذ بعض الاجراءات، مثل: (استخدام اسماء حركية، تغيير السكن، الملابس، التنكر، التخفي، الابتعاد عن أماكن الطفولة والدراسة، الاختفاء بعيدا عن الاهل والعوائل والأطفال والحبيبات). هكذا، وبسرعة قصوى، حلت النهاية المتوقعة لأربع سنوات من الحياة شبه الديمقراطية في العراق، ثم قُتلت تماما.

لقد حولوا الكثير من الأماكن الحكومية، ومقرات الحزب الحاكم، الى معسكرات اعتقال وتعذيب  وتسقيط سياسي، يقومون به رجال مجرمون ومدربون بدقة على صناعة الموت!. في ذات الوقت، وبهدف تضليل الرأي العام، رفعوا اللافتات في الشوارع، وكتبوا المانشيتات العريضة في صحفهم الصفراء عن اجتماعات "الجبهة الوطنية ووحدة القوى الوطنية العراقية". هكذا رفعت الفاشية رأسها مجددا في الوطن.

البداية في اربيل

في 4 تشرين اول 1978، حاصروا مقر الحزب الشيوعي في اربيل، ثم اقتحموه. قاموا باغلاق جميع نوافذ المقر وابوابه، بحجة البحث عن "اشخاص مطلوبين هاربين من بغداد ومحافظات اخرى". بدأت الحملة في مدن إقليم كردستان. استخدموا في البداية، اسلوب التسقيط السياسي، وانتزاع البراءات كما في مدن الجنوب والوسط. أما في الأرياف والقرى، حيث توجد معارضة كردية مسلحة لم تتخذ بعد شكلا مؤثرا، فكانت الحملة أكثر دموية وقمعا، وذلك بتوظيف الجحوش وبعض من رؤساء العشائر الذين بدأوا بمداهمة القرى والارياف مدعومين بالطائرات السمتية ووحدات من الجيش مدربة على الغارات وإرهاب الفلاحين والرعاة.

أدرك الرفاق في أربيل، ان شعار "الحفاظ على النفس" بلا افق. المحنة زادت، والأوهام بالعودة الى الحياة السياسية السابقة قد تبخرت، ولابد من اتخاذ موقف عملي واضح، لابد من القيام بفعل ما لمواجهة الهجمة الشرسة.

النواة الاولى .. قرارات البداية

كان اسم الجبل، يتردد على ألسنة الرفاق، لا حل غير الجبل.

في ليلة من ليالي تموز 1978، في بيت منزوي بأحد الاحياء الفقيرة في أربيل، عُقد اجتماع لمجموعة من كوادر المدينة، وخرج بمجموعة قرارات، أهمها: (تهيئة بعض الرفاق الذين لديهم خبرة عسكرية وتحديد اماكن انتشارهم. تسمية بعض القرى والمناطق والاتصال باهلها للاستفادة من مساهماتهم. كذلك توفير بعض قطع السلاح ومبلغ من المال قدر المستطاع).

في أواخر ديسمبر 1978، حصل لقاء غير رسمي بين بعض الرفاق، كان لقاءً مهما وفاصلا في تأريخ حركة الأنصار الشيوعيين في أربيل، حيث أتخذوا قرار الصعود الى الجبل من دون انتظار ما تقرره القيادة، مستفيدين من خبرة بعضهم في القتال مع البيشمركة، ومن توفر القليل من قطع السلاح المخبئة في المدن والارياف.

وصول المجموعة الاولى للجبل

بتاريخ 12/ 11/ 1978، وصلت اول مجموعة من رفاق أربيل الى قرية (رزكه) في منطقة (خيلان) القريبة من سهل (حرير). كانوا عشرة رفاق، ثم انضم إليهم الشهيدان مام طه ومام توفيق خوشناو. أتخذوا من (رزكة) موقعا لانطلاق عملهم، وتنفيذ المهمات التي خططوا لها، واولها: (استقبال الرفاق والملتحقين، وتوفير المال والسلاح).

رزكة المحطة الأولى

قرية (رزكه) واحدة من قرى (خيلان)، صغيرة وفقيرة، تقع في أعالي الجبل. وهي عبارة عن بقعة من الرمان والعنب والتين. لم يبخل أهلها الطيبون، بتقديم الدعم والمعونة للوافدين الجدد من الشيوعيين، وكانوا في المقدمة دائما. سهلوا الكثير من مهمات الرفاق وذللوا امامهم المصاعب. لم يبخلوا بتقديم الطعام والمأوى للمقاتلين، كما هو عهدهم دائما، وأبدعوا في امداد الرفاق بالاخبار والمعلومات. وأول عمل فعال ومؤثر قاموا به، هو: (إقامة الصلة بين الرفاق وبين مفرزة للبيشمركة كانت تتواجد في المنطقة، يرجح انها تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني).

الدرس الاول

قامت المجموعة بقيادة مام طه في اول جولاتها، مسلحة بمسدس وبندقية برنو فقط، في قرى منطقة (زرارتي) المليئة بالجواسيس والمرتزقة المرتبطين بما يسمى (قوات التأديب) التي تتولى مهمة تعقب مفارز البيشمركة واصطيادهم.

وقعت المفرزة في اول كمين نصبه الجيش والجحوش لها، مستفيدين من أمطار وبرد تشرين 1978، ففرّ من فر، ووقع بأيدهم من لم تسعفه رجلاه على الهرب. من بين الناجين: (مام طه، ومام توفيق خوشناو)، وهما الوحيدان يحملان السلاح..

قام مام طه باستخلاص الدرس جيدا، اليقظة والحذر، وهذا ما كان ينقصهم، وبدأ بتجميع المفرزة، واستقبلوا ثلاثة ملتحقين من اربيل، ثم عادوا الى التجول في المنطقة من جديد، ولكن بخبرة ويقظة أكبر، وبقطع سلاح اكثر.

مع اطلالة عام 1979، وسعت مفرزة مام طه نشاطاتها، وراحت تنقل للفلاحين اخبار توجهات الشيوعيين الجديدة بمحاربة النظام، وعدم العودة الى الجبهة الوطنية، بالرغم من عدم وجود موقف رسمي لقيادة الحزب بذلك. شعر المئات من رفاق التنظيم بالفرح العارم، عندما سمعوا بهذا التوجه وبخبر وجود محطات لاستقبال الملتحقين في السليمانية واربيل ومناطق بهدينان.

من مفارز البيشمركة الأصدقاء (بزتنوة)، عرفت مفرزة مام طه بأخبار القاعدة الشيوعية الأولى في منطقة (ناوزنك) عند خط الحدود مع إيران. عندها كان يوم عيد لدى الرفاق.

ظلت مفرزة مام طه تتجول وتؤدي مهامها بيقظة عالية. طورت من أسلوب حركتها، فمرة تنقسم الى مجموعات صغيرة، واخرى تلتئم. عددها يتزايد، وتبرعات الرفاق في المدن التي وصلتهم حولوها الى أسلحة وذخيرة.

العملية العسكرية الاولى

- "سنقوم هذا المساء بالتنفيذ"

- -"لا أفضل التريث. لدينا حاليا أربعة قطع من السلاح

دعونا ان لا نفوت الفرصة. هو الان في البيت"   

دار هذا الحوار بين مام طه ومام توفيق خوشناو. لكن القرار قد اتخذ..

شهر شباط 1979 باردا وممطرا، وتلك الليلة ظلماء دامسة. خطى مام توفيق حريري مع اثنين من البيشمركة تجاه قرية (باطاس) في دشت حرير، وبالتحديد الى بيت احد افراد السلطة لتجريده من السلاح. كان بيته منزويا في الركن الشمالي من القرية، وهو هدف معلوم، لا يتطلب اكثر من اليقظة والحذر. في حركة مباغتة، دقّ الباب أحدهم. فؤجئ صاحب الدار ان ضيوفه من البيشمركة الشيوعيين. طالبوه بتسليم سلاحه وعتاده دون اية حركة. نفذ الرجل الأمر وهو يرتعد خوفا، ووعد بالتكفير عن ذنوبه وترك صفوف السلطة. تركوه يسبّح ببعض من أيات الذكر الحكيم وغادروا البيت فرحين. (لقد نجحنا، لدينا بندقية أخرى الان).

فصل من كتاب ( صفحات من تاريخ حركة الانصار الشيوعية في اربيل 1979- 1989 ) للنصير (أبو أحرار)

النصير الشيوعي العدد 42 السنة الرابعة كانون الناني 2026